باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .

أي : هذا باب في ذكر قوله تعالى " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ " الآية ، وبيان سبب نزولها اختلفوا فيه ؛ فقيل هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسرت رباعيته يوم أحد وشج جبينه حتى سال الدم على وجهه ، قال : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ ! أخرجه مسلم في أفراده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، وقيل سبب نزولها أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لعن قوما من المنافقين ، وقيل إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - هم بسب الذين انهزموا يوم أحد وكان فيهم عثمان بن عفان ، فنزلت هذه الآية ، فكف عنهم . وقيل إن أصحاب الصفة خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم عصية وذكوان فقتلوا ، فدعا عليهم أربعين صباحا . وقيل لما رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حمزة ممثلا قال : لأمثلن بكذا كذا ! فنزلت هذه الآية .
قوله " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ " ؛ أي ليس إليك من إصلاحهم ولا من عذابهم شيء ، وقيل ليس إليك من النصر والهزيمة شيء ، واللام بمعنى إلى .
قوله " أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ " ؛ أي حتى يتوب عليهم مما هم فيه من الكفر أو يعذبهم في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ، ولهذا قال : فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ - أي يستحقون ذلك .
قال حميد وثابت عن أنس : شج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، فقال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ! فنزلت : ليس لك من الأمر شيء .

تعليق حميد الطويل وصله أحمد والترمذي والنسائي من طريق حميد به ، وتعليق ثابت البناني وصله مسلم وقد ذكرناه الآن ، وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي - صلى الله عليه وسلم - السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته ، وأن عبد الله بن قمنة جرحه في وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجنته - صلى الله عليه وسلم - ثم ازدرده ، فقال صلى الله عليه وسلم : من مس دمي دمه لم تصبه النار .
108 - حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، حدثني سالم ، عن أبيه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول : اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا ! بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شيء ... إلى قوله : فإنهم ظالمون .

[17/156] مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن عبد الله بن زياد السلمي البلخي سكن مرو وهو من أفراد البخاري ، روى عنه هنا وفي تفسير الأنفال . وعبد الله هو ابن المبارك ، يروي عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن حبان وفي الاعتصام عن أحمد بن محمد ، وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن عمرو بن يحيى بن الحارث .
قوله " فلانا وفلانا وفلانا " ، وسماهم في الرواية التي بعدها .
قوله " ربنا ولك الحمد " ، هذا بالواو في إحدى الروايات الثابتة .
قوله " فأنزل الله " تعالى بيان سبب نزول الآية المذكورة ، فذكر البخاري هذا وآخر كما يأتي .
وروى المحاملي بإسناده إلى نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو على أربعة نفر ، فأنزل الله عز وجل : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ قال : ثم هداهم الله إلى الإسلام . وقيل : استأذن بأن يدعو باستئصالهم فنزلت ، فعلم أن منهم من سيسلم .