|
باب قتل حمزة رضي الله عنه
أي : هذا باب في بيان قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أبي ذر " قتل حمزة " بدون لفظة " باب " ، وفي رواية النسفي " قتل حمزة سيد الشهداء " ، ووردت هذه اللفظة في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من طريق أصبغ بن بنانة عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه . 110 - حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله ، حدثنا حجين بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن الفضل ، عن سليمان بن يسار ، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال : خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار ، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي : هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة ؟ قلت : نعم - وكان وحشي يسكن حمص ، فسألنا عنه فقيل لنا : هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت ! قال : فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير ، فسلمنا فرد السلام . قال : وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه ، فقال عبيد الله : يا وحشي ، أتعرفني ؟ قال : فنظر إليه ثم قال : لا والله ، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص فولدت له غلاما بمكة ، فكنت أسترضع له ، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه ، فلكأني نظرت إلى قدميك ! قال : فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال : ألا تخبرنا بقتل حمزة ؟ قال : نعم ، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر ، فقال لي مولاي جبير بن مطعم : إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر ! قال : فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال ، فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع فقال : هل من مبارز ؟ قال : فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال : يا سباع ، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور ! أتحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قال : ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب . قال : وكمنت لحمزة تحت صخرة ، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه . قال : فكان ذاك العهد به ، فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام ، ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، فقيل لي : إنه لا يهيج رسولا ! قال : فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآني قال : أنت وحشي ؟ قلت : نعم . قال : أنت قتلت حمزة ؟ قلت : قد كان من الأمر ما قد بلغك . قال : فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ؟ قال : فخرجت ، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج مسيلمة الكذاب قلت : لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة ! قال : فخرجت مع الناس ، فكان [17/158] من أمره ما كان . قال : فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس . قال : فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه . قال : ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته . قال : قال عبد الله بن الفضل : فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : فقالت جارية على ظهر بيت : واأمير المؤمنين ، قتله العبد الأسود !
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء - البغدادي ، ونسبته إلى محلة من محال بغداد ، وهو من أفراده ، وروى عنه هنا وفي الطلاق . وحجين - بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون - ابن المثنى ، أصله من اليمامة وسكن بغداد ، وولي قضاء خراسان ، وليس له عند البخاري إلا هذا الموضع . وعبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني ، من صغار التابعين . وسليمان بن يسار - ضد اليمين - أخو عطاء التابعي ، وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري - بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء - نسبة إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة ، وعمرو بن أمية هو الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه ، وعبيد الله بن عدي - بفتح المهملة الأولى - ابن الخيار - ضد الأشرار - ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وقد مضى ذكره في مناقب عثمان رضي الله تعالى عنه . ذكر معناه : قوله " حمص " بكسر الحاء وسكون الميم ، مدينة مشهورة قديمة ، إحدى قواعد الشام ، ذات بساتين مشربها من نهر العاصي ، سميت بحمص بن المهر بن إلحاف بن مكتف من العماليق ، وهي بين حماة ودمشق ، وقال البكري : لا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند ؛ لأنه اسم أعجمي . قلت : يجوز صرفها مثل هود ونوح ؛ لأن سكون وسطها يؤثر في منع إحدى العلتين فيبقى على علة واحدة . قوله " في وحشي " بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف ، ابن حرب - ضد الصلح ، كان من سودان مكة ، قال أبو عمر : مولى لطعيمة بن عدي ، ويقال مولى جبير بن مطعم بن عدي - كذا قال ابن إسحاق ، وكان يكنى أبا رسمة ، وكان يرمي بحربة فلا يكاد يخطئ ، وقال موسى بن عقبة : مات وحشي بن حرب في الخمر ، وليس في الصحابة من سمي باسمه غيره . قوله " نسأله عن قتل حمزة " ، وفي رواية الكشميهني " نسأله عن قتله حمزة " . قوله " فسألنا عنه ، فقيل لنا " ، وفي رواية ابن إسحاق " قال لنا رجل ونحن نسأل عنه : إنه غلبت عليه الخمر ، فإن تجداه صاحيا تجداه عربيا يحدثكما بما شئتما ، وإن تجداه على غير ذلك فانصرفا عنه " ، وفي رواية الطيالسي نحوه ، وقال فيه : وإن أدركتماه شاربا فلا تسألاه . قوله " كأنه حميت " بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق ، وهو الزق الذي لا شعر عليه ، وهو للسمن ، ويجمع على حمت ، قال ابن الأثير : وهو النحي والزق الذي يكون فيه السمن أو الزيت ونحوهما ، والنحي يجمع على أنحاء ، وقيل أكثر ما يقال الحميت في أوعية السمن والزيت ، وقيل هو الزق مطلقا ، وقال أبو عبيد : أما الزق الذي يجعل فيه اللبن فهو الوطب وجمعه أوطاب ، وما كان للشراب فهو الزق ، واسم الزق يَجمع ذلك كله . وقال الكرماني : ويشبه الرجل السمين الجسيم بالحميت . قوله " معتجر " من الاعتجار وهو لف العمامة على الرأس من غير تحنيك . قوله " أم قتال " بكسر القاف وتخفيف التاء المثناة من فوق ، وفي رواية الكشميهني " أم قبال " بالباء الموحدة ، والأول أصح ، وهي عمة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية . قوله " بنت أبي العيص " بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة - ابن أمية بن عبد شمس ، أم عبيد الله المذكور آنفا . قوله " أسترضع له " ؛ أي أطلب له من يرضعه ، وزاد في رواية ابن إسحاق " والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى ، فإني ناولتكها وهي على بعيرها ، فأخذتك فلمعت لي قدمك حين رفعتك ، فما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما " ، وهذا يوضح قوله في حديث الباب " فلكأني نظرت إلى قدميك " ؛ يعني أنه شبه قدميه بقدمي الغلام الذي حمله وكان هو هو ، وبين الروايتين قريب من خمسين سنة ، فدل ذلك على ذكاء مفرط ومعرفة تامة بالقيافة . قوله " طعيمة " مصغر طعمة . قوله " جبير " بضم الجيم ، مصغر جبر - ضد الكسر – [17/159] ابن مطعم - بضم الميم على وزن اسم فاعل من الإطعام - ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي ، أسلم جبير يوم الفتح ، وقيل عام خيبر ، مات بالمدينة سنة سبع وخمسين في خلافة معاوية ، وكانت وفاة المطعم بن عدي في صفر سنة ثنتين من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر . قوله " عدي بن الخيار " ، قال الدمياطي : صوابه عدي بن نوفل كما ذكرناه ، والمطعم والخيار ابنا عدي . قوله " فلما أن خرج الناس " ، ويروى " فلما خرج الناس " بدون لفظة " أن " ، والمراد بالناس قريش ومن معهم . قوله " عام عينين " ؛ أي عام أحد ، ثم فسر العينين بقوله " وعينين جبل بحيال أحد " ؛ أي من ناحية أحد ، يقال فلان بحيال كذا - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف - أي بمقابله ، وهذا تفسير من بعض الرواة ، وإنما قال " عام عينين " دون عام أحد لأن قريشا كانوا نزلوا عنده . وقال ابن إسحاق : نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة . قلت : عينين تثنية عين ، قال الكرماني : ضد المثنى ، ويروى بلفظ الجمع ، وعلى التقديرين النون تعتقب الإعراب منصرفا وغير منصرف . قوله " خرجت " جواب " لما " . قوله " خرج سباع " بكسر السين المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وهو اسم لابن عبد العزى الخزاعي . قوله " يا ابن أم أنمار " بفتح الهمزة وسكون النون ، وهي أمة كانت مولاة لشريق بن عمرو الثقفي والد الأخنس . قوله " مقطعة البظور " بضم الباء الموحدة والظاء المعجمة ، جمع بظر وهو هنة في الفرج ، وهي اللحمة الكائنة بين شفري الفرج تقطع عند الختان . وقال ابن إسحاق : كانت أمه ختانة بمكة تختن النساء . انتهى ، والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم والشتم ، وإلا قالوا ختانة . قوله " أتحاد الله " بفتح همزة الاستفهام وضم التاء المثناة من فوق وبالحاء المهملة وتشديد الدال ، وأصله تحادد ، من المحادة وهي أن يكون ذا في حد وذا في حد ، ثم استعمل في المعاندة والمعاداة . قوله " ثم شد عليه " ؛ أي ثم شد حمزة على سباع . قوله " فكان كالأمس الذاهب " ، وهذا كناية عن إعدامه إياه بالقتل في الحال . قوله " الذاهب " صفة لازمة مؤكدة . قوله " قال : وكمنت " ؛ أي قال وحشي وكمنت - بفتح الميم - أي اختفيت ، وفي رواية ابن عائذ " عند شجرة " ، وروى ابن أبي شيبة من مرسل عمرو بن إسحاق أن حمزة عثر فانكشف الدرع عن بطنه فأبصره العبد الحبشي فرماه بالحربة . قوله " في ثنته " بضم الثاء المثلثة وتشديد النون ، وهي العانة ، وقيل ما بين السرة والعانة ، ويقال الثاء مثلثة ، وفي رواية الطيالسي " فجعلت ألوذ من حمزة بشجرة ومعي حربتي ، إذا استمكنت منه هززت الحربة حتى رضيت منها ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه ، وذهب يقوم فلم يستطع " ، والثندوة بفتح الثاء المثلثة وسكون النون وضم الدال المهملة وبالواو الخفيفة ، وهي من الرجل موضع الثدي من المرأة . قوله " فكان ذلك العهد به " كناية عن موته . قوله " فلما رجع الناس " ؛ أي قريش إلى مكة . قوله " حتى فشا فيها الإسلام " ؛ أي أقمت بمكة إلى أن ظهر فيها الإسلام ثم خرجت منها ، وفي رواية ابن إسحاق " فلما افتتح رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - مكة هربت منها إلى الطائف . قوله " رسولا " ، كذا هو في رواية أبي ذر وأبي الوقت ، وفي رواية غيرهما " رسلا " بالجمع . قوله " فقيل لي : إنه لا يهيج الرسل " ؛ أي لا ينالهم منه إزعاج . قوله " ما قد بلغك " ؛ يعني من أمر حمزة وقتله رضي الله تعالى عنه . قوله " فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ؟ " ، وفي رواية الطيالسي " غيب وجهك عني فلا أراك " . قوله " فأكافئ به " بالهمزة ؛ أي فأساوي بقتل مسيلمة قتل حمزة . قوله " في ثلمة جدار " ؛ أي في خلله . قوله " جمل أورق " ؛ أي لونه مثل الرماد ، وكان ذلك من غبار الحرب - قاله بعضهم ، قلت : بل كان ذلك من سواد كفره وانهماكه في الباطل . قوله " ثائر الرأس " ؛ أي منتشر شعر رأسه . قوله " فأضعها بين ثدييه " ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " فوضعتها " . قوله " رجل من الأنصار " هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، وجزم به الواقدي وإسحاق بن راهويه والحاكم ، وقيل هو عدي بن سهل ، وجزم به سيف في كتاب الردة ، وقيل أبو دجانة ، وأغرب ويثمة في كتاب الردة فزعم أنه شن - بفتح الشين المعجمة وتشديد النون - ابن عبد الله ، وقال ابن عبد البر : إن الذي قتله خلاس بن بشير بن الأصم . قوله " قال : قال عبد الله بن الفضل " هو موصول بالإسناد المذكور أولا ، وفاعل " قال " الأول عبد العزيز بن عبد الله بن سلمة المذكور ؛ أي قال عبد الله بن الفضل أخبرني سليمان بن يسار المذكور فيه أنه سمع عبد الله بن عمر يقول ... إلى آخره . قوله " واأمير المؤمنين " مندوب . قوله " قتله العبد الأسود " أرادت به الوحشي ، وقال بعضهم : في قول الجارية " أمير المؤمنين " نظر ؛ لأن مسيلمة كان يدعي أنه نبي مرسل من الله ، فكانوا يقولون له رسول الله ونبي الله ، والتلقيب [17/160] بأمير المؤمنين حدث بعد ذلك ، وأول من لقب به عمر رضي الله تعالى عنه وذلك بعد قتل مسيلمة بمدة . انتهى ، قلت : قال ابن التين : كان مسيلمة يسمى تارة بالنبي وتارة بأمير المؤمنين ، ورد عليه هذا القائل بقوله : فإن كان يعني ابن التين أخذه من هذا الحديث فليس بجيد ، وإلا فيحتاج إلى نقل بذلك . انتهى ، قلت : قوله " ليس بجيد " غير جيد ؛ لأن في الحديث التصريح بذلك ، لأنها إنما قالت بذلك لما رأت أن أمور أصحابه كلها كانت إليه ، فلذلك أطلقت عليه الإمرة ، وأما نسبتها إلى المؤمنين فباعتبار أنهم كانوا آمنوا به في زعمهم الباطل ، وقوله " أول من لقب به عمر " لا ينافي ذلك ؛ لأن هذه الأولية بالنظر إلى أبي بكر حيث لم يطلقوا عليه أمير المؤمنين اكتفاء بلفظ الخلافة ، ومع هذا كان هو أيضا أمير المؤمنين .
|