|
137 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال : أتيت جابرا رضي الله عنه فقال : إنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق ! فقال : أنا نازل . ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم ! فقلت : يا رسول الله ، ائذن لي إلى البيت ! فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ما كان في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق - فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت : طعيم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان ! قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال : كثير طيب ! قال : قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي ! فقال : قوموا ! فقام المهاجرون والأنصار ، فلما دخل على امرأته قال : ويحك ! جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! قالت : هل سألك ؟ قلت : نعم . فقال : ادخلوا ولا تضاغطوا . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا ، وبقي بقية ! قال : كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة .
مطابقته للترجمة في قوله " يوم الخندق " ، وخلاد - على وزن فعال بالتشديد - ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، مات بمكة قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وهو من أفراده . وعبد الواحد بن أيمن - ضد الأيسر - يروي عن أبيه أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر المخزومي القرشي المكي ، من أفراد البخاري ، والحديث أيضا من أفراده . قوله " يوم الخندق " نصب على الظرف . قوله " نحفر " خبر " إن " . قوله " كدية " بضم الكاف وسكون الدال المهملة وبالياء آخر الحروف ، وهي القطعة الصلبة من الأرض لا يؤثر فيها المعول ، ووقع في رواية أبي ذر " كبدة " بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة قبل الدال ، وقال عياض : كأن المراد أنها واحدة الكبد وهو الجبل . وقال الخطابي : كبدة بالباء الموحدة إن كانت محفوظة فهي القطعة من الأرض الصلبة ، وأرض كبداء وقوس كبداء أي شديدة . ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني " كندة " بنون ، وعند ابن السكن " كتدة " بفتح التاء المثناة من فوق ، وقال عياض : لا أعرف لها معنى . وفي رواية " كذانة " بذال معجمة ونون وهي القطعة من الجبل ، وعند ابن إسحاق " صخرة " ، وفي رواية " عبلة " وهي الصخرة الصماء وجمعها عبلات ويقال لها العبلاء والأعبل وكلها الصخرة . قوله " وبطنه معصوب بحجر " ، زاد يونس في روايته " من الجوع " ، وفي رواية أحمد " أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بطنه حجرا من الجوع " ، فإن قلت : ما كان فائدة ربط الحجر ؟ فهل ذلك يدفع الجوع أم لا ؟ قلت : قيل إن البطن يضمر من الجوع ، فيربط الحجر على البطن ليدفع انحناء الصلب ؛ لأن الجائع ينحني صلبه إذا اشتد به الجوع . وقال الكرماني : فائدته تسكين حرارة الجوع ببرودة الحجر ، أو ليعتدل قائما ، أو لأنها حجارة رقاق [17/180] تشد العروق والأمعاء فلا ينحل مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل . وقال ابن حبان : الصواب الحجز بالزاي ، إذ لا معنى لشد الحجر على البطن من الجوع - ورد عليه بما جاء في الرواية التي تأتي " رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خمصا شديدا " والخمص الجوع ، قلت : فيه نظر لا يخفى . قوله " ذواقا " بفتح الذال المعجمة ، وقال ابن الأثير : الذواق المأكول والمشروب ، فعال بمعنى مفعول ، من الذوق ، ويقع على المصدر والاسم ، يقال ذقت الشيء أذوقه ذوقا وذواقا ، وما ذقت ذواقا أي شيئا . قوله " المعول " بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وفي آخره لام ، وهو الفأس الذي يكسر به الحجر ، وقال بعضهم : المعول المسحاة . قلت : هذا التفسير غير صحيح ، والمعول الفأس كما ذكرنا ، والميم فيه زائدة ، والمسحاة المجرفة من الحديد والميم فيها أيضا زائدة لأنها من السحو وهو الكشف والإزالة ، ومن الدليل على المغايرة رواية أحمد رحمه الله " فأخذ المعول أو المسحاة " بالشك . قوله " فضرب " ؛ أي الكدية ، وفي رواية الإسماعيلي " ثم سمى ثلاثا ثم ضرب " ، وعند الحارث بن أبي أسامة من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان قال : ضرب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الخندق ثم قال :
| بسم الله وبه بدينا | | ولو عبدنا غيره شقينا | | حبذا ربا وحبذا دينا | قوله " كثيبا " بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة ، هو الرمل ، قال الله تعالى : كَثِيبًا مَهِيلا ؛ أي تفتت حتى صار كالرمل يسيل ولا يتماسك . قوله " أهيل " ، الأهيل هو أن ينهال فيسيل من لينه ويتساقط من جوانبه ، وفي رواية أحمد " كثيبا يهال " . قوله " أو أهيم " شك من الراوي ؛ أي أو عاد كثيبا أهيم ، وهو بمعنى الأهيل ، والهيام من الرمل ما كان دقاقا يابسا ، وفي رواية الإسماعيلي " أهيل " بغير شك ، وكذا في رواية يونس ، وقال عياض : ضبطها بعضهم " أهثم " بالثاء المثلثة ، وبعضهم بالتاء المثناة من فوق وفسرها بأنها تكسرت ، والمعروف بالياء آخر الحروف . قوله " ائذن لي إلى البيت " ؛ أي ائذن لي حتى آتي بيتي . قوله " فقلت لامرأتي " ، وفيما قبله حذف تقديره فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتي إلى بيته فقال ما ذكر هنا وهو قوله " فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - شيئا " ؛ يعني من الجوع ، واسم المرأة سهيلة بنت مسعود بن أوس الظفرية الأنصارية ، بايعت . قوله " عندي شعير " ، بين يونس بن بكير في روايته أنه صاع . قوله " عناق " بفتح العين ؛ الأنثى من أولاد المعز . قوله " فذبحت " ، الذابح هو جابر ، يخبر عن نفسه بذلك . قوله " وطحنت " ؛ أي امرأته ، وفي رواية أحمد عن سعيد " فأمرت امرأتي فطحنت وصنعت لنا خبزا " . قوله " حتى جعلنا " ، وفي رواية الكشميهني " حتى جعلت " . قوله " في البرمة " بضم الباء الموحدة وسكون الراء ، وهي القدر مطلقا ، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن . قوله " والعجين قد انكسر " ؛ يعني لان وتمكن فيه الخمير . قوله " الأثافي " بفتح الهمزة جمع الأثفية بضم الهمزة ، وقد تخفف الياء في الجمع ، وهي الحجارة التي تنصب وتوضع القدر عليها ، يقال أثفيت القدر إذا جعلت لها الأثافي ، وثفيتها إذا وضعتها عليها ، والهمزة فيه زائدة . قوله " طعيم " مصغر طعام ، صغره لأجل قلته ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بتخفيف الياء وهو غلط - قلت : لأن طعيم بتخفيف الياء تصغير طعم لا تصغير الطعام . قوله " لي " صفة " طعيم " ؛ أي مصنوع لأجلي . قوله " فقم أنت يا رسول الله ورجل " ، قوله " أو رجلان " شك من الراوي ، وفي رواية يونس " ورجلان " بلا شك . قوله " فقال : كم هو ؟ " ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم طعامك . قوله " فذكرت له " ؛ أي لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبينت له الطعام . قوله " فقال : كثير طيب " ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - طعام كثير طيب . قوله " لا تنزع البرمة " ؛ أي من فوق الأثافي . قوله " ولا الخبز " ؛ أي ولا تنزع الخبز من التنور . قوله " حتى آتي " ؛ أي إلى أن آتي بيتكم ، أي أجيء . قوله " فقال : قوموا " ؛ أي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان عنده من الصحابة " قوموا " إلى أكل جابر . قوله " قالت : هل سألك ؟ " ؛ أي قالت امرأة جابر له هل سألك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حال الطعام ، وفي رواية يونس " فقالت : الله ورسوله أعلم ، نحن قد أخبرنا بما عندنا " ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر أنها قالت لجابر : فارجع إليه فبين له - فأتيته فقلت : يا رسول الله ، إنما هو عناق وصاع من شعير ! قال : فارجع ولا تحركن شيئا من التنور ولا من القدر حتى آتيها ، واستعر صحافا " . قوله " فقال : ادخلوا " ؛ أي فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمن معه من المهاجرين والأنصار " ادخلوا " الدار . قوله " ولا تضاغطوا " ؛ أي ولا تزدحموا ، ومادته ضاد وغين معجمتان وطاء مهملة ، من الضغطة . قوله " فجعل " ؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله " وأهدى " بهمزة قطع ، من الإهداء لا من الهدية كما قال بعضهم . قوله " فإن الناس ... " إلى آخره - بيان سبب [17/181] الإهداء ، وفي رواية يونس " كلي وأهدي - فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع " ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر " فأكلنا وأهدينا لجيراننا " ، وهذا كله من علامات النبوة .
|
|
|