139 - حدثني عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها - إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، قالت : ذاك يوم الخندق .

مطابقته للترجمة في قوله " قالت : ذاك يوم الخندق " ، وعبدة - بفتح العين وسكون الباء الموحدة - ابن سليمان الكلابي الكوفي ، وكان اسمه عبد الرحمن ولقبه عبدة فغلب عليه ، يروي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنهم .
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه النسائي في التفسير عن هارون بن إسحاق ، وهذه الآية الكريمة في سورة الأحزاب ، وتمامها : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا
قوله " إذ جاؤوكم " بدل من قوله " إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا " الآية ، وأراد بالجنود الأحزاب ؛ قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير ، وأراد بالريح الصبا ، قال صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا .
قوله " من فوقكم " ؛ أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف النضري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طلحة بن خويلد الأسدي وحُيي بن أخطب في يهود بني قريظة .
قوله " وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ " ؛ يعني من الوادي من قبل المغرب ، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن معه ، وأبو الأعور السلمي من قبل الخندق ، وكان سبب غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير عن ديارهم ، وقال ابن إسحاق : نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة ، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان ، وخرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة ألف ، والخندق بينه وبين القوم ، وجعل النساء والذراري في الآطام ، وقال ابن إسحاق : ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل ، لكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى صاروا بالسبخة فبارزه علي رضي الله تعالى عنه فقتله ، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فبارزه الزبير رضي الله تعالى عنه فقتله ، ويقال قتله علي ، ورجعت بقية الخيول منهزمة ، وأقام المشركون فيه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، والقصة طويلة ، وآخر الأمر بعث الله الريح في ليالي شاتية شديدة البرد حتى انصرفوا .
قوله " وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ " عطف على قوله " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ " ، والتقدير واذكر حين زاغت الأبصار أي حالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا ، وقيل عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع .
قوله " وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ " ، هذا موجود في بعض النسخ ؛ أي زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق ، قالوا : إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغم الشديد ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ، ومن ثمة قيل للجبان انتفخ منحره .
قوله " وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا " ، قال الحسن : ظنونا مختلفة ؛ ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وظن المؤمنون أنهم يبتلون ، قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم " الظنونا " بالألف في الوصل والوقف لأن ألفها ثابتة في مصحف عثمان وسائر مصاحف أهل البلدان ، وعليه تعديل رؤوس الآي ، وقرأ حمزة بغير ألف في الحالين الوصل والوقف ، [17/183] والباقون بالألف في الوقف دون الوصل ؛ لأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها فتلحق الألف في موضع الفتح عند الوقف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات ، فحسن إثبات الألف في هذا الحرف لأنها رأس الآية تمثيلا لها بالبواقي ، وكذلك الرسولا و السبيلا .
قوله " قالت : ذاك " ؛ أي قالت عائشة رضي الله تعالى عنها " ذاك " إشارة إلى ما ذكر من مجيء الكفار من فوق ومن أسفل وزيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر ، ويروى " ذلك " بزيادة اللام .