|
158 - حدثنا زكرياء بن يحيى ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أصيب سعد يوم الخندق ؛ رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة ، رماه في الأكحل ، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ليعوده من قريب ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق وضع السلاح واغتسل ، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار فقال : قد وضعت السلاح ! والله ما وضعته ، اخرج إليهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأين ؟ فأشار إلى بني قريظة ، فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلوا على حكمه ، فرد الحكم إلى سعد ، قال : فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم . قال هشام : فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك - صلى الله عليه وسلم - وأخرجوه ، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك ، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ! فانفجرت من لبته فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم ، فقالوا : يا أهل الخيمة ، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما ، فمات منها رضي الله عنه .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وزكريا بن يحيى بن صالح البلخي الحافظ الفقيه وهو من أفراده ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام . والحديث مر في الصلاة في باب الخيمة في المسجد للمرضى ؛ فإنه أخرجه هناك بأخصر منه بعين هذا الإسناد عن زكريا بن يحيى - إلى آخره . قوله " أصيب سعد " ، وهو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي الأشهلي . قوله " حبان " بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، ابن العرقة - بفتح العين المهملة وكسر الراء وبالقاف ، والعرقة أمه وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم ، وأبوه قيس من بني معيص بن عامر بن لؤي ، وفي بعض النسخ " وهو حبان بن قيس [17/192] من بني معيص - بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف - ويقال حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف " . قوله " في الأكحل " بفتح الهمزة وسكون الكاف وباللام ، وهو عرق في وسط الذراع ، قال الخليل : هو عرق الحياة ، يقال إن في كل عضو منه شعبة ، فهو في اليد أكحل وفي الظهر أثير وفي الفخذ النسا ، إذا قطع لم يرقأ الدم . قوله " فلما رجع " ، قال القرطبي : الفاء فيه زائدة ، وفي الحديث الذي في الجهاد " ولما رجع " بالواو . قوله " وضع السلاح " جواب " لما " . قوله " وهو ينفض " ، الواو فيه للحال ، وروى الطبراني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة قالت : سلم علينا رجل ونحن في البيت ، فقام رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فزعا ، فقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي ، فقال : هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة ! وذلك لما رجع من الخندق . قالت : فكأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام . وروى أحمد من حديث علقمة بن وقاص عن عائشة " فجاءه جبريل وإن على ثناياه لنقع الغبار " ، وفي مرسل يزيد بن الأصم عند ابن سعد " فقال له جبريل : عفا الله عنك ، وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله ! " . قوله " اخرج " بضم الهمزة ، أمر من الخروج . قوله " فأتاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " ؛ أي فحاصرهم ، وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي الأسود عن عروة " وبعث عليا رضي الله تعالى عنه على المقدمة ورفع إليه اللواء ، وخرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - على أثره " ، وكذا في رواية موسى بن عقبة ، وزاد : وحاصرهم بضع عشرة ليلة . وعند ابن سعد : خمس عشرة ليلة . وفي حديث علقمة بن وقاص : خمسا وعشرين . قوله " فرد الحكم إلى سعد " ؛ أي فرد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ، ووجه الرد إليه سؤال الأوس ذلك منه صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله " فإني أحكم فيهم " ؛ أي في بني قريظة ، وهذا هكذا رواية النسفي ، وفي رواية غيره " أحكم فيه " ؛ أي في هذا الأمر . قوله " أن تقتل المقاتلة " ، ذكر ابن إسحاق أنهم جعلوا في دار بنت الحارث ، وفي رواية أبي الأسود عن عروة " في دار أسامة بن زيد " ، ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في بيتين ، ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتين ، وقال ابن إسحاق : فخندقوا لهم خنادق فضربت أعناقهم ، فجرى الدم في الخندق ، وقسم نساءهم وأبناءهم على المسلمين . واختلف في عدتهم ؛ فعند ابن إسحاق " كانوا ستمائة " ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة " كانوا سبعمائة " ، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل ، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعا ، وقد حكى ابن إسحاق : وقيل إنهم كانوا تسعمائة . قوله " والذرية " بضم الذال ، وفي التوضيح قال عبد الملك بنصب الذرية ، وقال ابن الأثير : الذرية اسم جمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى ، وأصله الهمزة لكنهم حذفوها فلم يستعملوها إلا غير مهموزة ، وتجمع على ذريات وذراري مشددا ، وقيل أصلها من الذر بمعنى التفريق لأن الله ذرهم في الأرض . انتهى ، واختلف في وزنها هل هو فعلية أو فعلولة ؟ قوله " قال هشام : فأخبرني أبي " ؛ أي عروة ، وهو موصول بالإسناد المذكور أولا . قوله " فأبقني له " ؛ أي للحرب ، وفي رواية الكشميهني " لهم " . قوله " فافجرها " بوصل الهمزة والجيم ، ثلاثي من فجر يفجر ، متعد ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الجراحة ، قيل : كيف استدعى الموت وهو غير جائز ؟ وأجيب بأن غرضه كان أن يموت على الشهادة ، فكأنه قال إن كان بعد هذا قتال معهم فذاك وإلا فلا تحرمني من ثواب هذه الشهادة . قوله " من لبته " بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة ، موضع القلادة من الصدر ، وهي رواية مسلم والإسماعيلي ، وفي رواية الكشميهني " من ليلته " ، وفي مسند حميد بن هلال عن ابن سعيد أنه مرت به عنز وهو مضطجع فأصاب ظلفها موضع الجرح فانفجر حتى مات . قوله " فلم يرعهم " ، من الروع وهو الخوف ، قال الكرماني : مرجع الضمير " بنو غفار " ، والسياق يدل عليه ، وقيل الضمير يرجع إلى أهل المسجد . قوله " وفي المسجد خيمة من بني غفار " ، الواو فيه للحال ، قيل : الخيمة لبني غفار لا من بني غفار ، وأجيب بأن المضاف فيه محذوف ؛ أي خيمة من خيام بني غفار ، فإن قلت : ذكر ابن إسحاق أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية ! قلت : يحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار ، وغفار بن مليلة بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وغفار بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء ، وقال ابن دريد : من غفر إذا ستر . قوله " فإذا سعد " ، كلمة " إذا " للمفاجأة . قوله " يغذو " بغين وذال معجمتين ؛ أي يسيل ، يقال غذا العرق إذا سال دما . قوله " فمات منها " ؛ أي من تلك الجراحة . [17/193] وفي السير : ولما مات أتى جبريل عليه السلام معتجرا بعمامة من إستبرق ، فقال: يا محمد من هذا الذي فتحت له أبواب السماء ، واهتز له العرش ؟ فقام صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إليه ، فوجده قد مات ، ولما حملوا نعشه وجدوا له خفة ، فقال : إن له حملة غيركم ، وقال ابن عائذ : لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا .
|