[2/167] 8 - باب
كراهية التعري في الصلاة وغيرها
364 - حدثنا مطر بن الفضل : ثنا روح : نا زكريا بن إسحاق : ثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له العباس عمه : يا ابن أخي ، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة . قال : فحله ، فجعله على منكبيه ، فسقط مغشيا عليه ، فما رئي بعد ذلك عريانا


هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره ، وقد قيل : إنه من مراسيل الصحابة ؛ فإن جابرا لم يحضر هذه القصة ، وإنما سمعها من غيره ، إما من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض أكابر أصحابه ، فإن كان سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فهو متصل .
وقد اختلفوا في قول الصحابي : " إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا " ، هل يحمل على الاتصال ، أم لا ؟
والتحقيق : أنه إن حكى قصة أدركها بسنه ، ويمكن أن يكون شهدها حملت على الاتصال ، وإن حكى ما لم يدرك زمنه فهو مرسل لذلك
. والله أعلم .
[2/168] وبناء الكعبة حين نقل النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش الحجارة لم يدركه جابر ، فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة ، وقد قيل : إن عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ خمس عشرة سنة .
قال معمر ، عن الزهري : كان ذلك حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الحلم .
وأما سقوطه مغشيا عليه ، فقيل : كان من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم من تعريه ؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ ، ومن أعظمها شدة الحياء .
وقيل : بل كان لأمر شاهده وراءه ، أو لنداء سمعه نهى عن التعري .
وقد خرج البخاري هذا الحديث في " باب : بنيان الكعبة " من " كتاب : بدء الخلق " من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، وفيه : قال : فخر إلى الأرض ، وطمحت عيناه إلى السماء ، ثم أفاق ، فقال : " إزاري ، إزاري " ، فشد عليه إزاره .
وقد روى الأزرقي في " كتاب : أخبار مكة " . ثنا جدي : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : جلس رجال من قريش في المسجد الحرام ، فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل ، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة - فذكر حديثا طويلا في ذلك - وفيه : فنقلوا الحجارة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ، ينقل معهم الحجارة على رقبته ، فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه ، فنودي : يا محمد ، عورتك ، وذلك أول ما نودي - والله أعلم - فما رئيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عورة بعد ذلك ، ولبج برسول الله صلى الله عليه وسلم من الفزع حين نودي ، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة ، فقال : " ما أصابني هذا إلا من التعري " فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاره ، [2/169] وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث .
وقال - أيضا - : ثنا جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي ، قالا : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن خثيم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما حيث هدمت الكعبة ، فكان ينقل الحجارة ، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فلبج به ، فأخذه العباس فضمه إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني نهيت أن أتعرى " .
يقال : لبج بفلان ، ولبط به ، إذا صرع ، وهو معنى ما في حديث جابر : " فسقط مغشيا عليه " .
وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن أبي الطفيل ، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية ، قال : فهدمتها قريش ، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي ، تحملها قريش على رقابها ، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا . فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة ، فضاقت عليه النمرة ، فذهب يضع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة ، فنودي : يا محمد ، خمِّر عورتك ، فلم يُر عريانا بعد ذلك .
وروى ابن سعد بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : أول شيء رأى النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة أن قيل له : استتر ، وهو غلام ، فما رئيت عورته من يومئذ .
ويروى بإسناد أجود منه ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نهيت أن أمشي عريانا " ، [قلت : اكتمها الناس مخافة أن يقولوا : مجنون ] .
وبعض رواته لم يذكر في إسناده : " العباس " .
[2/170] وخرج البزار من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء الحجرات ، وما رئي عورته قط .
وقال : لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا .
وفي " صحيح مسلم " عن المسور بن مخرمة ، قال : أقبلت بحجر أحمله ثقيل ، وعلي إزار ، فانحل إزاري ومعي الحجر ، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارجع إلى ثوبك فخذه ، ولا تمشوا عراة " .
وفي " مسند الإمام أحمد " بإسناد جيد ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء ، أنه مر وصاحب له بأيمن وفتية من قريش قد خلعوا أزرهم ، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة ، قال : فلما مررنا بهم قالوا : إن هؤلاء لقسيسون ، فدعوهم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ، فلما أبصروه تبددوا ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا حتى دخل ، وكنت أنا وراء الحجرة ، فأسمعه يقول : " سبحان الله ، لا من الله استحيوا ، ولا من رسوله استتروا " ، وأم أيمن عنده تقول : استغفر لهم يا رسول الله ، فَبِلأْيٍ ما استغفر لهم .
وقوله : فبلأي : أي بشدة ، ومنه اللأواء ، والمعنى : أنه استغفر لهم بعد شدة امتناعه من ذَلِكَ .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه من [2/171] حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منهن وما نذر ؟ قال : " احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك " ، فقال : الرجل يكون مع الرجل ؟ قال : " إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل " ، قلت : فالرجل يكون خاليا ؟ قال : " فالله أحق أن يستحيا منه " .
وقد ذكره البخاري في موضع آخر من " كتابه " هذا تعليقا مختصرا ، فقال : وقال بهز ، عن أبيه ، عن جده [...] .
وقد أجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين ، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة لغير حاجة ، على قولين ، هما وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، ويجوز كشفها للحاجة إليه بقدرها بغير خلاف ، وقد سبق في " كتاب : الغسل " ذكر بعض ذلك .