205 - حدثني إسحاق ، أخبرنا يعقوب ، حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه ، أخبرني عروة بن الزبير : أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية ، فكان فيما أخبرني عروة عنهما : أنه لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة ، وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال : لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، وخليت بيننا وبينه ، وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامعضوا ، فتكلموا فيه ، فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة ، وإن كان مسلما ، وجاءت المؤمنات مهاجرات ، فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي عاتق ، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم ، حتى أنزل الله تعالى : في المؤمنات ما أنزل .

قال ابن شهاب : وأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ وعن عمه قال : بلغنا حين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم ، وبلغنا أن أبا بصير ، فذكره بطوله .
هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، وإسحاق هو ابن راهويه ، ويعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد ، وابن أخي ابن شهاب اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب ، وعمه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
قوله : " على قضية المدة " أي المصالحة في المدة المعينة ، قوله : " أن يقاضي " أي يصالح ويحاكم ، قوله : " وامعضوا " بتشديد الميم وفتح العين المهملة وضم الضاد المعجمة ، وأصله انمعضوا بالنون قبل الميم ، فأدغمت النون في الميم ، وفي رواية الكشميهني : امتعضوا بالتاء المثناة من الامتعاض .
[17/227] يقال : انمعض من شيء سمعه ، وامتعض إذا غضب وشق عليه ، وفي المطالع للأصيلي والهمداني : امتعظوا بمعنى كرهوا ، وهو غير صحيح في الخط والهجاء ، وإنما يصح امتعضوا بضاد غير مشالة ، كما عند أبي ذر وعبدوس بمعنى كرهوا وأنفوا ، ووقع عند القابسي امعظوا بتشديد الميم وظاء معجمة ، وعند بعضهم : اتغظوا من الغيظ ، وعند بعضهم عن النسفي ، وانغضوا بغين معجمة وضاد معجمة غير مشالة من الإنغاض ، وهو الاضطراب ، قال : وكل هذه الروايات إحالات وتعبيرات ، ولا وجه لشيء من ذلك إلا امتعضوا ، قوله : " مهاجرات " حال من المؤمنات ، قوله : " أم كلثوم بنت عقبة " بضم العين وسكون القاف ابن أبي معيط ، واسمه أبان بن أبي عمرو ، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وقال أبو عمر : أسلمت أم كلثوم بمكة قبل أن تأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ، ثم هاجرت وبايعت ، فهي من المهاجرات المبايعات ، وقيل : هي أول من هاجر من النساء ، وكانت هجرتها سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من قريش ، وقال ابن إسحاق : هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في هدنة الحديبية ، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة ، حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل ، وقال : أبى الله ذلك ، قال أبو عمر : يقولون : إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة ، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة ، فقتل عنها يوم مؤتة ، فتزوجها الزبير بن العوام ، فولدت له زينب ، ثم طلقها ، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف ، فولدت له إبراهيم وعوفا ، ومات عنها ، فتزوجها عمرو بن العاص ، فمكثت عنده شهرا وماتت ، وهي أخت عثمان لأمه ، وأمها أورى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف ، قوله : " وهي عاتق " أي شابة ، وقيل : من أشرفت على البلوغ ، وقيل : من لم تتزوج .
قوله : " قال ابن شهاب : وأخبرني عروة " هو موصول بالإسناد المذكور ، وقد وصله الإسماعيلي ، عن أبي يعلى ، عن أبي خيثمة ، عن يعقوب بن إبراهيم به ، قوله : " كان يمتحن " من الامتحان ، وهو الابتلاء ، أي كان يمتحنهن بالحلف والنظر في الأمارات ؛ ليغلب على ظنه صدق إيمانهن ، وعن ابن عباس : معنى امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج وما خرجن رغبة عن أرض إلى أرض ، وما خرجن التماس دنيا ، وما خرجن إلا حبا لله ورسوله ، قوله : " بهذه الآية " ، وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ الآية ، وسبب نزول هذه الآية ما ذكره المفسرون أن الله تعالى لما نصر رسوله وفتح مكة وفرغ من بيعة الرجال جاءت النساء يبايعنه ، فنزلت هذه الآية وهو على الصفا وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أسفل منه ، وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويبلغهن عنه .
قوله : " وعن عمه " هو عطف على قوله : " حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه " ، وهو موصول بالإسناد المذكور ، قوله : قال : بلغنا " إلى آخره مرسل ، وهو موصول من رواية معمر ، قوله : " ما أنفقوا " أي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم برد ما أنفق المشركون على نسائهم المهاجرات إليهم ، وقال أبو زيد من أصحابنا الحنفية هو عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح ، وكان الامتحان أن تستحلف المهاجرة : أنها ما خرجت ناشزة ولا هاجرت إلا لله ولرسوله ، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها ، وإن كانت من غير أهل العهد لم تستحلف ، ولم يرد صداقها ، قوله : " وبلغنا أن أبا بصير ... فذكره مطولا " أشار به إلى ما مضى من قصة أبي بصير في كتاب الشروط مطولا ، واختصره هاهنا ، وأبو بصير بفتح الباء الموحدة ، وكسر الصاد المهملة ، وقد اختلف في اسمه ونسبه ، وقد مر الكلام فيه في كتاب الشروط .