249 - حدثني محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ، إما قال : في بضع ، وإما قال : في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي ، فركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا ، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، وكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة : سبقناكم بالهجرة . ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة ، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجرن ، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس ، قال عمر : ألحبشية هذه ألبحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم ، قال : سبقناكم [17/252] بالهجرة ؛ فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم ، فغضبت وقالت : كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم ، وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم ، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن كنا نؤذى ونخاف ، وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأسأله والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا ، قال : فما قلت له ؟ قالت : قلت له كذا وكذا ، قال : ليس بأحق بي منكم ، وله ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان ، قالت : فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو بردة : قالت أسماء : فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني .

قال أبو بردة : عن أبي موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو ، قال لهم : إن أصحابي يأمرونكم أن تنتظروهم .
مطابقته للترجمة في قوله : " حين افتتح خيبر " ، ومحمد بن العلاء أبو كريب الهمداني ، وهو شيخ مسلم ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وبريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف - ابن عبد الله بن أبي بردة ، واسمه عامر بن أبي موسى الأشعري ، سمع جده أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، والحديث مضى مقطعا في الخمس وفي هجرة الحبشة .
قوله : " مخرج النبي صلى الله عليه وسلم " بفتح الميم إما مصدر ميمي بمعنى خروجه ، أو اسم زمان بمعنى وقت خروجه ، والواو في : " ونحن باليمن " للحال ، قوله : أبو بردة " بضم الباء الموحدة وسكون الراء ، واسمه عامر بن قيس ، وأبو رهم بضم الراء وسكون الهاء - ابن قيس الأشعري ، وقال أبو عمر : وكان لأبي موسى ثلاثة إخوة وأبو بردة عامر وأبو رهم ومجدي بنو قيس بن سليم ، وقيل : اسم أبي رهم مجدي ، ومجدي بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وجزم ابن حبان في الصحابة بأن اسمه محمد ، وذكر ابن قانع أن اسمه مجيلة بكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وباللام ثم الهاء ، قوله : " أما قال في بضع " ، بكسر الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة ، وقال ابن الأثير : وقد تفتح الباء ، وهو ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل : ما بين الواحد إلى العشرة ؛ لأنه قطعة من العدد .
فإن قلت : في بضع يتعلق بماذا ، وما محله من الإعراب ؟
قلت : يتعلق بقوله : " فخرجنا " ، ومحله النصب على الحال .
قوله : " من قومي " ، وفي رواية المستملي : " من قومه " ، قوله : " سفينتنا " بالرفع ؛ لأنه فاعل ألقتنا ، قوله : " إلى النجاشي " بفتح النون وتشديد الياء وتخفيفها ، وهو اسم من ملك الحبشة . قوله : " فوافقنا جعفر بن أبي طالب " يعني صادفناه بأرض الحبشة . قوله : " حتى قدمنا جميعا " ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي أن يجهز إليه جعفر بن أبي طالب ومن معه ، فجهزهم وأكرمهم ، وقدم بهم عمرو بن أمية وهو بخيبر ، وسمى ابن إسحاق من قدم مع جعفر وهم ستة عشر رجلا فيهم امرأته أسماء بنت عميس وخالد بن سعيد بن العاص وامرأته وأخوه عمرو بن سعيد ومعيقيب بن أبي فاطمة ، قوله : " أسماء بنت عميس " مصغر العمس بالمهملتين - ابن سعد بن الحارث بن تيم بن كعب - الخثعمية ، وأمها هند بنت عوف ، وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخت لبابة أم الفضل زوجة العباس ، وزوج أسماء جعفر بن أبي طالب ، ولما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وولدت له محمد بن أبي بكر ، ثم مات عنها ، فتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فولدت له يحيى بن علي بن أبي طالب ، قوله : " وكان أناس " سمى منهم عمر رضي الله تعالى عنه ، قوله : " وهي ممن قدم معنا " هو كلام أبي موسى ، قوله : [17/253] " على حفصة " زاد أبو يعلى : " زوج النبي صلى الله عليه وسلم " ، قوله : " زائرة " نصب على الحال ، قوله : " ألحبشية هذه " بهمزة الاستفهام نسبها إلى الحبشة لسكناها فيهم ، قوله : " ألبحرية " بهمزة الاستفهام أيضا ، وفي رواية أبي ذر : " ألبحيرية " بالتصغير نسبها إلى البحر لركوبها البحر ، قوله : " في دار " بلا تنوين ؛ لأنه مضاف إلى البعداء ، قوله : " أو في أرض " شك من الراوي ، والبعداء بضم الباء وفتح العين جمع بعيد ، أي البعداء عن الدين ، قوله : " البغضاء " بضم الباء الموحدة وبالمعجمتين المفتوحتين جمع بغيض ، يعني البغضاء للدين . وفي رواية أبي يعلى : " البعداء أو البغضاء " - بالشك ، وفي رواية النسفي : البعد بضمتين ، وفي رواية القابسي البعد البعداء البغضاء جمع بينهما ، والظاهر أنه فسر الأولى بالثانية ، وفي رواية ابن سعد : " وكنا البعداء والطرداء " ، قوله : " وذلك في الله ورسوله " أي لأجل الله وطلب رضاه ، ولأجل رسوله ، قوله : " وايم الله " همزته همزة وصل ، وقيل : " همزة قطع " بفتح الهمزة ، وقيل : بكسرها ، يقال : ايم الله وايمن الله ، ومن الله ، وقيل : أيمن جمع يمين ، ولما كثر في كلامهم ، حذفوا النون كما قالوا في : لم يكن ، لم يك ، قوله : " نؤذي ونخاف " كلاهما على صيغة المجهول .
قوله : " أهل السفينة " بنصب أهل على الاختصاص ، أو على حذف حرف النداء ، قوله : " هجرتان " إحداهما إلى النجاشي ، والأخرى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : " يأتوني " ، وفي رواية الكشميهني : " يأتون " ، قوله : " أرسالا " بفتح الهمزة ، أي أفواجا يتبع بعضهم بعضا ، والواحد : رسل بفتحتين .
قوله : " قال أبو بردة : عن أبي موسى " هو الراوي عنه ، لا أخو أبي موسى ؛ لأنه له أخ يسمى أبا بردة أيضا ، وقد ذكرناه ، قوله : " رفقة الأشعريين " الرفقة بضم الراء وكسرها الجماعة ترافقهم في سفرك ، والأشعريين نسبة إلى أشعر أبو قبيلة من اليمن ، وتقول العرب : جاءك الأشعرون - بحذف ياء النسبة ، قوله : " حين يدخلون بالليل " ، قال الدمياطي : صوابه : يرحلون - بالحاء المهملة ، وكذا حكاه عياض عن بعض رواة مسلم أنه اختاره ، وقال النووي : الأول أصح ، والمراد يدخلون منازلهم إذا خرجوا إلى المساجد . قوله : " منهم حكيم " قال عياض : قال أبو علي الصدفي : هو صفة لرجل منهم ، وقال أبو علي الجياني : هو اسم علم على رجل من الأشعريين ، قوله : " أو قال العدو " شك من الراوي ، قوله : " أن تنتظروهم " ، كذا هو في الأصول من الانتظار ، وذكره ابن التين بلفظ : تنظروهم ، مثل : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ومعنى كلامه : أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله ، ولا يبالون ما يصيبهم من ذلك ، ويقال : معناه أن هذا الحكيم لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو ، بل يواجههم ويقول لهم : إذا أرادوا الانصراف مثلا انتظروا الفرسان حتى يأتوكم ليبعثهم على القتال ، هذا بالنظر إلى قوله : أو قال العدو - بالنصب ، أي : أو قال الحكيم : إذا لقي العدو ، وأما بالنظر إلى قوله : " إذا لقي الخيل " ، فيحتمل أن يريد خيل المسلمين ، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالة ، فكان هو يأمر الفرسان أن ينتظروهم ليسيروا إلى العدو جميعا .