[2/207] 15 - باب
إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟
وما ينهى من ذلك
خرج فيه :
374 - حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أميطي عنا قرامك هذا ؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي " .


" القرام " : قيل : إنه ثوب من صوف ، فيه ألوان من العهون ، ويتخذ سترا ، أو كلة .
وقال الخطابي : هو ستر رقيق . قال : ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ستر الجدر .
قلت : حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف .
ولكن خرج مسلم من حديث عائشة ، أنها أخذت نمطا فسترته على الباب ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم رأى النمط ، فعرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه أو قطعه ، وقال : " إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين " .
وفي " مسند الإمام أحمد " ، عنها في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : " أتسترين الجدر يا عائشة ؟ " قالت : فطرحته ، فقطعته مرفقتين ، فقد رأيته [2/208] متكئا على إحداهما ، وفيها صورة .
وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : " يا عائشة أخريه عني " ، فنزعته ، فجعلته وسائد .
وفي " الصحيحين " ، عنها ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه ، وقال : " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله عز وجل " . قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين .
وفي " صحيح مسلم " عنها ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حولي هذا ؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا " .
فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الستر .
ويشهد للتعليل الثالث : حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت فاطمة ، فأخذ بعضادتي الباب ، وإذا قرام قد ضرب في ناحية البيت ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ، فتبعه علي ، فقال : ما رجعك يا رسول الله ؟ قال : " إنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .
ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ [2/209] خاتما ولبسه ، وقال : " شغلني هذا عنكم اليوم ، له نظرة ولكم نظرة " ، ثم ألقاه .
وخرج الترمذي في " كتاب العلل " بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل خاتمه في يمينه ، ثم إنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه ، فنزعه ولم يلبسه .
وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا
، وفيه : أن هذا الخاتم كان من ذهب .
وهذا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله امتثالا لما أمره الله به ؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا ، فكان يتباعد عنها بكل وجه ، ولهذا قال : " ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها " .
فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر ، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا ، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة ، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله ، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره ، فإن ذلك كان هو قرة عينه . فكان [...] تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال ؛ فإنه [...] ذلك الصفاء ، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة . وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله : " فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي " .
وفيه : دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته .
[2/210] وفي " سنن أبي داود " ، عن عثمان بن طلحة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي " .
وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث : " إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين " .
والمراد بالقرنين : قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام ؛ فإنهما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير .
وفي الحديث : دليل على جواز الصلاة في الكعبة .
وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره .
وروي عن النخعي ، قال : كانوا يكرهون ذلك .
وعن مجاهد ، قال : لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه : سيفا ولا مصحفا .
ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى ، وكذا مذهب مالك .
وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر ، أنه أمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .
ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة ؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها ، ولا يترك في المسجد صورة في بناء .
[2/211] سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير ؟ قال : أنجروه .
وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء ، وهو مروي عن عمر وابن عباس ، وقول مالك وأحمد وغيرهما .
وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء ، بناء على أنه : هل يجوز لبس ذلك أم لا ؟
فرخص في لبسه جماعة ، منهم أحمد في رواية الشالنجي ، وكذلك قال أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه : " إلا رقما في ثوب " .
وقد خرجه البخاري في " كتاب : اللباس " من حديث أبي طلحة .
وخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
.
وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه .
وقالت طائفة : يكره ذلك ، وهو قول مالك والثوري ، وطائفة من أصحابنا .
وقالت طائفة : يحرم لبسه ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها القاضي أبو يعلى وغيره .
وروى وكيع في " كتابه " عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمران بن حطان ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه .
[2/212] وقد خرجه البخاري في " كتابه " هذا من طريق هشام ، عن يحيى ، ولفظه : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه .
وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي " . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة .
وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة ، وسواء قلنا : يجوز لبسه أو لا .
ومذهب مالك : أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل ، ولا يصلى به ، ويلبس ثوب فيه تصاوير .
وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير ، فرخص فيه أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد وإسحاق ؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور .
وكره ذلك طائفة قليلة ، ومنهم : الجوزجاني ، وروى عن الزهري .
وذكر ابن أبي عاصم في " كتاب اللباس " له : " باب : من قال لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه الصور " : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم : ثنا روح بن عبادة : ثنا شعبة ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ، وفيها تصاوير " .
وهذا الحديث مخرج في " الصحيحين " من حديث شعبة بدون هذه الزيادة .
وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - إن شاء الله تعالى .
وقد بوب البخاري في " كتاب : اللباس " على " كراهة الصلاة في [2/213] التصاوير " ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا ، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة ، وعلى بساط عليه صورة ؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته .
وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة ، وعلى كراهة ذلك - أيضا - فأشار إلى الاختلاف فيه .