|
باب يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر - إلى قوله : عذاب أليم . عفي ترك
أي : هذا باب فيه ذكر قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هكذا وقع في رواية الكل غير أبي ذر ، وفي روايته " باب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ " الآية ، قال الفراء : نزلت هذه الآية في حيين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الكثرة والشرف ، فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر ، فقتل الأوضع من الحيين من الشريف قتلى ، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر بالأنثى والحر بالعبد وأن يضاعفوا الجراحات ، فأنزل الله تعالى هذا على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم نسخ أيضا ؛ نسخه قوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى آخر الآية ، فالأولى منسوخة لا يعمل بها ولا يحكم ، ومذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد بهذه الآية ، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود ، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي [18/101] وقتادة والحكم ، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة ، وهو مذهب الشافعي ومالك أن الحر لا يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالأنثى - أخذا بهذه الآية ؛ أعني قوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وقد قلنا إنها منسوخة . قوله " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ " ، ذكر الواحدي أن معناه في اللغة المماثلة والمساواة . وقال ابن الحصار : القصاص المساواة والمجازاة ، والمراد به العدل في الأحكام ، وهذا حكم الله عز وجل الذي لم يزل ولا يزال أبدا ، فلا نسخ فيه ولا تبديل له ، والمراد بآية المائدة تبين العدل في تكافئ الدماء في الجملة وترك التفاضل لاجتهاد العلماء ، وعلى هذا فليس بينهما تعارض . قلنا : الأنسب عموم آية المائدة ، وفيها مقابلة مطلقة ، وهذه الآية فيها مقابلة مقيدة فلا يحمل المطلق على المقيد ، على أن مقابلة الحر بالحر لا ينافي مقابلة الحر بالعبد ، لأنه ليس فيه إلا ذكر بعض ما يشمله العموم على موافقة حكمه ، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي . قوله " عفي ترك " ، أشار به إلى تفسير قوله " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ " ؛ أي فمن ترك وصفح له من الواجب عليه في العمد فرضي بالدية " فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ " أي فعلى القتيل أن يتبع بالمعروف في المطالبة وترك التشديد على القاتل . 25 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو قال : سمعت مجاهدا قال : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله تعالى لهذه الأمة : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء " ، فالعفو أن يقبل الدية في العمد " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " ؛ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " مما كتب على من كان قبلكم " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " قتل بعد قبول الدية .
مطابقته للآية أوضح ما يكون ، والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى ونسبته إلى أحد أجداده وهو حميد بن زهير ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات عن قتيبة ، وأخرجه النسائي في التفسير عن عبد الجبار وفي القصاص عن الحارث بن مسكين . قوله " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ " معناه قبول الدية في العمد ، وقيل فيمن قتل وله وليان فعفا أحدهما فللآخر أن يأخذ مقدار حصته من الدية ، وقال الخطابي : العفو في الآية يحتاج إلى تفسير ، وذلك أن ظاهر العفو يوجب أن لا تبعة لأحدهما على الآخر ، فما معنى الاتّباع والإعفاء ، فمعناه أن من عفي عنه الدم بالدية فعلى صاحب الدية اتباع أي مطالبة بالدية ، وعلى القاتل أداء الدية إليه . وقال الزمخشري : وأخوه هو ولي المقتول ، وقيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به ، أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام ، وقال : إن عفا يتعدى بعن لا باللام ، فما وجه قوله " فمن عفا له " ؟ قلت : يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه ، قال الله تعالى : " عَفَا اللَّهُ عَنْكَ " ، " وعفا الله عنها " - فإذا تعدى إلى الذنب قيل : عفوت لفلان عما جنى ، كما تقول عفوت له ذنبه وتجاوزت له عنه ، وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل فمن عفا له عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية . قوله " شيء " ؛ أي من العفو ، إنما قيل ذلك للإشعار بأن بعض العفو عن الدم أو عفو بعض الورثة يسقط القصاص ، ولم يجب إلا الدية . قوله " فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ " ؛ أي فليكن اتباع ، أو فالأمر اتباع ، وقد ذكرناه عن قريب . قوله " ذلك " ؛ أي الحكم المذكور من العفو والدية ، لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم عليهم العفو وأخذ الدية ، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية ، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث : القصاص ، والدية ، والعفو - توسعة عليهم وتيسيرا . قوله " كما كتب " على من كان قبلكم ، هم أهل التوراة والإنجيل . قوله " فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ " ؛ أي بعد التخفيف وتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل ، أو القتل بعد أخذ الدية ، وهو معنى قوله قتل بعد قبول الدية ، وهو على صيغة المعلوم من الماضي ، وقع تفسيرا لقوله " فَمَنِ اعْتَدَى " . قوله " فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة .
|