73 - حدثنا نصر بن علي بن نصر ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت أو في حجرة ، فخرجت إحداهما وقد أنفذ بإشفى في كفها ، فادعت على الأخرى ، فرفع إلى ابن عباس . فقال ابن عباس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم ، ذكروها بالله واقرءوا عليها إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ فذكروها فاعترفت ، فقال ابن عباس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اليمين على المدعى عليه

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ونصر بن علي الجهضمي ، وعبد الله بن داود بن عامر المعروف بالخريبي كوفي الأصل ، سكن الخريبة محلة بالبصرة ، وهو من أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وكان ثقة زاهدا يروي عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وهو يروي عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، والحديث مضى مختصرا في الرهن والشركة عن أبي نعيم ، وأخرجه بقية الجماعة ، وقد ذكرناه . قوله : " أن امرأتين كانتا تخرزان " من خرز الخف ونحوه ، يخرز بضم الراء وكسرها . قوله : " في بيت أو في حجرة " كذا بالشك في رواية الأصيلي وحده ، والحجرة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء ، قال ابن الأثير : وهي الموضع المنفرد ، وفي المطالع وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة ، وقال الجوهري : الحجرة حظيرة الإبل ، ومنه حجرة الدار ، تقول : أحجرت حجرة أي اتخذتها ، وفي رواية الأكثرين في بيت وفي حجرة بالواو دون أو التي للتشكيك ، قال بعضهم : والأول هو الصواب يعني الذي بالواو ، وإنما قال الأول لأن الذي في نسخته ذكر بالواو أولا ، ثم ذكر بأو ، ونسب رواية أو التي للشك إلى الخطأ ، ثم قال : وسبب الخطأ أن في السياق حذفا بينه ابن السكن في روايته جاء فيها في بيت وفي حجرة حداث ، فالواو عاطفة ، لكن المبتدأ محذوف ، وحداث بضم المهملة والتشديد وآخره مثلثة أي يتحدثون ، وحاصله أن المرأتين كانتا في البيت ، وكان في الحجرة المجاورة للبيت ناس يتحدثون ، فسقط المبتدأ من الرواية ، فصار مشكلا ، فعدل الراوي عن الواو إلى أو التي للشك فرارا من استحالة كون المرأتين في البيت وفي الحجرة معا . انتهى . قلت : هذا تصرف عجيب ، وفيه تعسف من وجوه لا يحتاج إلى ارتكابها ؛ الأول : أن نسبته رواية أو للشك إلى الخطأ خطأ لأن كون أو للشك مشهور في كلام العرب ، وليس فيه مانع هنا لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى . الثاني : أن قوله فالواو للعطف غير مسلم هنا لفساد المعنى . الثالث : دعواه أن المبتدأ محذوف لا دليل عليه ؛ لأن حذف المبتدأ إنما يكون وجوبا أو جوازا فلا مقتضى [18/142] لواحد منهما هنا يعرفه من له يد في العربية . الرابع : أنه ادعى أن الواو للعطف ، ثم قال : وحاصله أن المرأتين كانتا في البيت ، وكان في الحجرة المجاورة للبيت ناس يتحدثون ، فهذا ينادي بأعلى صوته أن الواو هنا ليست للعطف بل هي واو الحال . الخامس : أن قوله الحجرة المجاورة للبيت يحتاج إلى بيان أن تلك الحجرة كانت مجاورة للبيت ، فلم لا يجوز أن تكون الحجرة نفس البيت لأنا قد ذكرنا أن الحجرة موضع منفرد ، فلا مانع من أن يكون في البيت موضع منفرد . السادس : أنه ادعى استحالة كون المرأتين في البيت وفي الحجرة ، فلا استحالة هنا لجواز كون من كان في الحجرة وهي في البيت كونه في الحجرة والبيت ، ودعوى استحالة مثل هذا هو المحال ، قوله : " وقد أنفذ بإشفى " الواو فيه للحال ، وقد للتحقيق ، وأنفذ من النفاذ بالذال المعجمة على صيغة المجهول ، والإشفى بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وبالفاء مقصورا ، وهو مثل المسلة له مقبض يخرز بها الإسكاف . قوله : " فرفع " أي أمر المرأتين المذكورتين ، ورفع على صيغة المجهول . قوله : " لو يعطى " على صيغة المجهول . قوله : " فذكروها " الضمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ الأخرى ، وهي المدعى عليها ، وهو بصيغة الأمر للجماعة ، وأراد بالتذكير تخويفها من اليمين ؛ لأن فيها هتك حرمة اسم الله عند الحلف الباطل ، وكذلك الضمير في قوله عليها ، وفي قوله فذكروها وهو بفتح الكاف لأنه جملة ماضية .
قوله : " اليمين على المدعى عليه " يعني عند عدم بينة المدعي ، وقال صاحب التوضيح قوله : " اليمين على المدعى عليه " أي فإن نكل حلف المدعي . قلت : هذا الذي قاله ليس معنى قول ابن عباس ، بل المعنى فيه أن المدعى عليه إذا رد اليمين على المدعي لا يصح ؛ لأن اليمين وظيفة المدعى عليه ، فإذا نكل عن اليمين يلزمه ما يدعيه المدعي.