باب قوله الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ

[18/152] أي هذا باب في قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية . قوله : " الَّذِينَ اسْتَجَابُوا " مبتدأ وخبره قوله "للذين أحسنوا منهم" واستجابوا بمعنى أجابوا كما في قول الشاعر :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وتقول العرب : استجبتك بمعنى أجبتك ، فإن قلت : ما فائدة هذه السين هنا ؟ قلت : فائدتها أنها تدل على أن الفعل الذي تدخل عليه هذه السين واقع لا محالة ، وسواء كان في فعل محبوب أو مكروه ، وسبب نزول هذه الآية الكريمة ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : لما رجع المشركون من أحد قالوا : لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم ، بئس ما صنعتم ، ارجعوا ، فسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ، فندب المسلمين ، فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عنبة - الشك من سفيان - فقال المشركون : نرجع من قابل ، فرجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فكانت تعد غزوة ، وأنزل الله عز وجل الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية ورواه ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فذكره ، وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا قال : شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنا وأخ لي ، فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، والله ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكنت أيسر جرحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون ، فإن قلت : لم لم يسق في هذا الباب حديثا ؟ قلت : كأنه لم يظفر بحديث يطابقه ، فبيض له ثم لم يدرك تسويده ، والذي ذكرناه الآن عن ابن أبي حاتم مطابق للباب ؛ لأن رجاله رجال الصحيح ، ولكنه مرسل عن عكرمة ، فإن قلت فيه عن ابن عباس في رواية كما في رواية ابن مردويه . قلت : المحفوظ عن عكرمة ليس فيه ابن عباس ، كذا قيل ، وفيه موضع التأمل .
القرح الجراح . استجابوا أجابوا . يستجيب يجيب

أشار بقوله القرح إلى ما في قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ قال الزمخشري : القرح بفتح القاف وضمها لغتان كالضعف والضعف ، وقيل : هو بالفتح الجراح ، وبالضم المها ، وروى سعيد بن منصور بإسناد جيد عن ابن مسعود أنه قرأ القرح بالضم ، وهي قراءة أهل الكوفة ، وذكر أبو عبيد عن عائشة أنها قالت : اقرءوها بالفتح لا بالضم ، وقرأ أبو السمال : قرح بفتحتين ، والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم مثله يوم بدر .
قوله : " استجابوا أجابوا " أشار بهذا إلى أن الاستفعال بمعنى الإفعال ، وقد ذكرنا الآن فائدة السين . قوله : " يستجيب " يجيب ، أراد أن يستجيب الذي في قوله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي يجيب الذين آمنوا ، وإنما ذكر هذا هنا وهو في سورة الشورى استشهادا للآية المتقدمة .