باب وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية

أي هذا باب في قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية هكذا وقع في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره سيقت الآية إلى آخرها ، قال الواحدي : أجمع المفسرون على أنها نزلت في مانعي الزكاة ، وروى عطية العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونبوته ، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله عز وجل ، وذكره الزجاج أيضا عن ابن جريج ، واختاره ، وفي تفسير أبي عبد الله بن النقيب أن هذه الآية الكريمة نزلت في البخيل بنفقة الجهاد ، حيث كانت النفقة فيه واجبة ، وقيل : نزلت في النفقة على العيال وذوي الأرحام إذا كانوا محتاجين . قال الزمخشري : وَلا تَحْسَبَنَّ من قرأ بالتاء قدر مضافا محذوفا ، أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم ، وكذلك من قرأ بالياء ، وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو ضمير أحد ، ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان المفعول الأول عنده محذوفا ، تقديره : ولا تحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم ، والذي سوغ حذفه دلالة يبخلون عليه .
قوله : " هُوَ خَيْرًا لَهُمْ " كلمة هو فصل ، وقرأ الأعمش بغير هو . قوله : " سَيُطَوَّقُونَ " تفسير لقوله : " بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ " أي سيلزمون وبال ما بخلو به إلزام الطوق ، وروى عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي بإسناد جيد في هذه الآية : سَيُطَوَّقُونَ قال : بطوق من النار .
[18/154] سيطوقون كقولك طوقته بطوق

أراد بهذا تفسير قوله : " سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ " حاصل المعنى أن ما بخلوا به في الدنيا يجعل أطواقا يوم القيامة فيطوقون بها ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سيحملون يوم القيامة ما بخلوا به ، وعن مجاهد يكلفون أن يأتوا بما بخلوا به ، وعن أبي مالك : العبدي يخرج لهم ما بخلوا به شجاعا أقرع من النار فيطوقونه ، وعن ابن مسعود ثعبانا يلتوي به رأس أحدهم . قوله : " كقولك طوقته " يعني الذي بخلوا به يصير أطواقا في أعناقهم فيصيرون مطوقين ، كما في قولك إذا قلت : طوقت فلانا يعني جعلت في عنقه طوقا حتى صار مطوقا .
86 - حدثني عبد الله بن منير سمع أبا النضر حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ، ثم تلا هذه الآية وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إلى آخر الآية .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون على وزن اسم فاعل من الإنارة أبو عبد الرحمن المروزي الزاهد ، وأبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم ، ولقبه قيصر التميمي ، ويقال الكناني الحافظ الخراساني ، سكن بغداد ، وأبو صالح السمان واسمه ذكوان ، والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب إثم مانع الزكاة ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن هاشم بن القاسم ، عن عبد الرحمن بن دينار إلى آخره نحوه ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " مثل " على صيغة المجهول ، أي صور له ماله شجاعا ، أي حية ، أقرع أي منحسر شعر الرأس لكثرة سمه ، والزبيبة بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة الأولى النقطة السوداء فوق العين ، واللهزمة بكسر اللام وسكون الهاء وبالزاي وهي الشدق .