|
باب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا
أي هذا باب في قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الآية قال الواحدي عن كعب بن مالك : إن سبب نزولها هو أن كعب بن الأشرف كان يهجو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحرض عليه كفار قريش ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود أراد أن يستصلحهم ، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الإذاء ، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بالصبر على ذلك ، وقال عكرمة : نزلت في سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ بعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى فنحاص بن عازورا يستمده ، فقال فنحاص : قد احتاج ربكم أن نمده . وأول الآية لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يعني اليهود في قولهم " إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ " وقولهم " يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ " وما أشبه ذلك من افترائهم على الله . قوله : " وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا " يعني النصارى في قولهم المسيح ابن الله وما أشبهه . قوله أَذًى كَثِيرًا قال الزجاج : مقصور يكتب بالياء يقال قد أذى فلان يأذي إذا سمع ما يسوؤه ، وقال الجوهري : أذاه يؤذيه أذاءة وأذية . 87 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية ، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال : حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول ، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين ، وفي المجلس [18/155] عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال : لا تغبروا علينا . فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد الله بن أبي ابن سلول : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجلسنا ، ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك ، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب النبي - صلى الله عليه وسلم - دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا . قال سعد بن عبادة : يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة ، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك ، فذلك فعل به ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله عز وجل : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا الآية ، وقال الله وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إلى آخر الآية ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم ، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به صناديد كفار قريش . قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه ، فبايعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام فأسلموا
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وأخرج هذا الحديث هنا بأتم الطرق وأكملها ، وأخرجه في الجهاد مختصرا جدا مقتصرا على أرداف أسامة من حديث الزهري عن عروة عن أسامة ، وأخرجه أيضا في اللباس عن قتيبة ، وفي الأدب عن أبي اليمان أيضا ، وعن إسماعيل ، وفي الطب عن يحيى بن بكير ، وفي الاستئذان عن إبراهيم بن موسى ، وأخرجه مسلم في المغازي ، والنسائي في الطب . قوله : " على قطيفة " بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وهي كساء غليظ . قوله : " فدكية " صفتها أي منسوبة إلى فدك بفتح الفاء والدال ، وهي بلدة مشهورة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة ، قوله : " يعود " جملة حالية ، قوله : " في بني الحارث " أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة ، وفيه أحكام ( جواز الإرداف ) وعيادة الكبير الصغير ، وعدم امتناع الكبير عن ركوب الحمير ، وإظهار التواضع ، وجواز العيادة راكبا ، وقال المهلب : في هذا أنواع من التواضع ، وقد ذكر ابن منده أسماء الأرداف فبلغ نيفا وثلاثين شخصا . قوله : " ابن سلول " برفع ابن لأنه صفة عبد الله لا صفة أبي ؛ لأن سلول اسم أم عبد الله بن أبي ، وهو بالفتح لأنه لا ينصرف . قوله : " وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي " أي قبل أن يظهر الإسلام ، وإلا فهو لم يسلم قط . قوله : " فإذا في المجلس " كلمة إذا للمفاجأة . قوله : " أخلاط " بفتح الهمزة جمع خلط بالكسر ، وأريد به الأنواع . قوله : " عبدة الأوثان " بالجر بدل من المشركين ، ويجوز [18/156] أن يكون عطف بيان . قوله : " واليهود " بالجر عطف على عبدة الأوثان ، وقال بعضهم : يجوز أن يكون اليهود عطفا على البدل أو المبدل منه وهو الأظهر . قلت : الأظهر أن يكون عطفا على البدل ؛ لأن المبدل منه في حكم السقوط . قوله : " والمسلمين " مكرر فلا محل له هاهنا ؛ لأنه ذكر أولا ، فلا فائدة لذكره ثانيا . قال الكرماني : لعل في بعض النسخ كان أولا ، وفي بعضها آخرا ، فجمع الكاتب بينهما والله أعلم ، وقال بعضهم : الأولى حذف أحدهما ، ولم يبين أيهما أولى بالحذف ، فجعل الثاني أولى على ما لا يخفى . قوله : " فلما غشيت المجلس " فعل ومفعول ، وعجاجة الدابة بالرفع فاعله ، والعجاجة بفتح العين المهملة وتخفيف الجيمين الغبار . قوله : " خمر " بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم ، أي غطى . قوله : " فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليهم قال صاحب التوضيح : لعله نوى به المسلمين فلا بأس به إذا . قلت : إذا كان في مجلس مسلمون وكفار يجوز السلام عليهم وينوي به المسلمين . قوله : " ثم وقف فنزل " فيه جواز استمرار الوقوف اليسير على الدابة ، فإن طال نزل كفعله - صلى الله عليه وسلم - وقيل لبعض التابعين أنه نهى عن الوقوف على متن الدابة قال : أرأيت لو صيرتها سانية أما كان يجوز لي ذلك ؟ قيل له : نعم قال ، فأي فرق بينهما أراد لا فرق بينهما . قوله : " لا أحسن مما تقول " بفتح الهمزة على وزن أفعل التفضيل ، وهو اسم لا ، وخبرها محذوف ، أي لا أحسن كائن مما تقول ، قيل : ويجوز رفع أحسن على أنه خبر لا ، والاسم محذوف ، أي لا شيء أحسن مما تقول ، وفي رواية الكشميهني بضم أوله وكسر السين وضم النون من أحسن يحسن ، وفي رواية أخرى ولا حسن بحذف الألف وفتح السين وضم النون ، قال بعضهم : على أنها لام القسم كأنه قال لا حسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا . قلت : هذا غلط صريح ، واللام فيه لام الابتداء دخلت على أحسن الذي هو أفعل التفضيل ، وليس للام القسم فيه مجال ، ولم يكتف هذا الغالط بهذا الغلط الفاحش حتى نسبه إلى عياض ، وحكى ابن الجوزي ضم الهمزة وتشديد السين بغير نون من الحس ، يعني لا أعلم شيئا . قوله : " إن كان حقا " شرط وجزاؤه مقدما ، قوله : " لا أحسن مما تقول " قوله : " فلا تؤذينا " ويروى " فلا تؤذنا " على الأصل . قوله : " رحلك " أي منزلك ، قوله : " واليهود " عطف على المشركين ، وإنما اختصوا بالذكر وإن كانوا داخلين في المشركين تنبيها على زيادة شرهم ، قوله : " كادوا يتثاورون " أي قربوا أن يتثاوروا بقتال ، وهو من ثار بالثاء المثلثة يثور إذا قام بسرعة وإزعاج ، وعبارة ابن التين يتبادرون . قوله : " يخفضهم " أي يسكنهم . قوله : " حتى سكنوا " بالنون من السكون ، هكذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " حتى سكتوا " بالتاء المثناة من فوق من السكوت . قوله : " ما قال أبو حباب " بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف باء موحدة أخرى ، وهي كنية عبد الله بن أبي ، وليست الكنية للتكرمة مطلقا ، بل قد تكون للشهرة وغيرها . قوله : " ولقد اصطلح " بالواو ، ويروى بغير الواو ، ووجهه أن يكون بدلا أو عطف بيان ، وتوضيح أو تكون الواو محذوفة . قوله : " البحيرة " بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة مصغرة ، وقال عياض في غير صحيح مسلم بفتح الباء وكسر الحاء مكبرة ، وكلاهما بمعنى واحد يريد أهل المدينة ، والبحرة بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء الأرض والبلد والبحار والقرى ، قال بعض المفسرين : المراد بقوله ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ القرى والأمصار ، وقال الطبري : كل قرية لها نهر جار فالعرب تسميها بحرة ، وقال ياقوت : بحرة على لفظ تأنيث البحر من أسماء مدينة سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبالبحرين قرية لعبد القيس يقال لها بحرة ، وبحرة موضع لية من الطائف ، وقال البكري لية بكسر أوله وتشديد الياء آخر الحروف ، وهي أرض من الطائف على أميال يسيرة ، وهي على ليلة من قرن ، ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حنين إلى الطائف سلك على نخلة اليمامة ، ثم على قرن ، ثم على المليح ، ثم على بحرة الرعاء من لية ، فابتنى في بحرة مسجدا وصلى فيه ، وقال ياقوت : البحيرة تصغير بحرة يراد به كل مجمع ماء مستنقع لا اتصال له بالبحر الأعظم غالبا ، ثم ذكر بحيرات عديدة ، ثم قال في آخرها : والبحيرة كورة بمصر قرب إسكندرية . قوله : " على أن يتوجوه " أي على أن يجعلوه ملكا ، وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا توجوه ، أي جعلوا على رأسه تاجا ، قوله : " فيعصبوه بالعصابة " أي فيعمموه بعمامة الملوك ، ووقع في أكثر نسخ البخاري يعصبوه بدون الفاء ، ووجهه أن يكون بدلا من قوله : " على أن يتوجوه " ويروى فيعصبونه بالفاء وبالنون على تقدير فهم يعصبونه ، قال الكرماني : أي يجعلوه رئيسا لهم ويسودوه عليهم ، وكان الرئيس معصبا لما يعصب برأيه من الأمر ، وقيل بل كان الرؤساء يعصبون رءوسهم بعصابة يعرفون بها . قوله : " شرق " بفتح الشين المعجمة [18/157] وكسر الراء وبالقاف يعني غص ؛ لأنه حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان سبب نفاقه يقال : غص الرجل بالطعام ، وشرق بالماء ، وشجي بالعظم إذا اعترض شيء في الحلق فمنع الإساغة . قوله : " بذلك " أي بما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " فذلك فعل به ما رأيت " أي الذي أتى الله به من الحق فعل به ما رأيت منه من قوله وفعله القبيحين ، وما رأيت في محل النصب لأنه مفعول فعل ، وما موصولة وصلتها محذوفة ، والتقدير الذي رأيته . قوله : " فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان العفو منه قبل أن يؤذن له في القتال كما يذكره في الحديث . قوله : " قال الله تعالى وَلَتَسْمَعُنَّ الآية " ولتسمعن خطاب للمؤمنين خوطبوا بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها ، وقال ابن كثير : يقول الله تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين ، وأمرهم بالصبر والصفح حتى يفرج الله تعالى عنهم . قوله : " فَإِنَّ ذَلِكَ " أي فإن الصبر والتقوى . قوله : " مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " أي مما عزم الله أن يكون ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا . قوله : " حتى أذن الله فيهم " أي في قتالهم وترك العفو عنهم ، وليس المراد أنه ترك العفو أصلا ، بل بالنسبة إلى ترك القتال أولا ووقوعه أخيرا ، وإلا فعفوه صلى الله عليه وسلم عن كثير من المشركين واليهود بالمن والفداء ، وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير . قوله : " صناديد " جمع صنديد وهو السيد الكبير في القوم . قوله : " وعبدة الأوثان " من عطف الخاص على العام وفائدته الإيذان بأن إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشد . قوله : " قد توجه " أي ظهر وجهه . قوله : " فبايعوا " بصورة الجملة الماضية ، ويحتمل أن يكون بصيغة الأمر .
|