[18/162] سورة النساء

أي هذا تفسير سورة النساء ، قال العوفي عن ابن عباس : نزلت سورة النساء بالمدينة ، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير ، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم ، وقال ابن النقيب : جمهور العلماء على أنها مدنية ، وفيها آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن أبي طلحة ، وهي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وعدد حروفها ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا ، وثلاث آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة ، ومائة وست وسبعون آية .
بسم الله الرحمن الرحيم

البسملة لم تثبت إلا في رواية أبي ذر
قال ابن عباس يستنكف يستكبر

لم يقع هذا إلا في رواية الكشميهني والمستملي ، وأشار به إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وهذا التعليق وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ قال يستكبر ، فإن قلت : ما وجه ذلك وقد عطف يستكبر على يستنكف في الآية حيث قال وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ والمعطوف غير المعطوف عليه ؟ قلت : يجوز أن يكون عطفا تفسيريا ، وقد تعجب بعضهم من صدور هذا عن ابن عباس بطريق الاستبعاد ، ثم قال : ويمكن أن يحمل على التوكيد . قلت : الصواب ما قلته ، ومثل هذا لا يسمى توكيدا يفهمه من له إلمام بالعربية ، وقال الطبري : يعني يستنكف يأنف ، وقال الزجاج : هو استنكاف من النكف وهو الأنفة .
قواما قوامكم من معايشكم

أشار بهذا إلى قراءة ابن عمر في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا حيث قرأ قواما ، ثم فسره بقوله قوامكم من معايشكم ، يعني القيام ما يقيم به الناس معايشهم ، وكذلك القوام ، وهذا التعليق وصله ابن أبي حاتم ، عن أبيه حدثنا أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
لهن سبيلا يعني الرجم للثيب والجلد للبكر

أشار به إلى قوله تعالى: " فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج إلى أن تموت ، وقوله : " أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا " نسخ ذلك واستقر الأمر على الرجم للثيب والجلد للبكر ، وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس قال : لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا حبس بعد سورة النساء . قوله : " لَهُنَّ سَبِيلا " يعني الرجم للثيب والجلد للبكر لم يثبت إلا في رواية الكشميهني والمستملي ، وفسر قوله " لَهُنَّ سَبِيلا " بقوله يعني الرجم للثيب ، والجلد للبكر ، يعني أن المراد بقوله سبيلا هو الرجم والجلد ، وهو قد نسخ الحبس إلى الموت ، وروى مسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .
وقال غيره مثنى وثلاث ورباع يعني اثنتين وثلاثا وأربعا ولا تجاوز العرب رباع

أي قال غير ابن عباس ، ووقع هكذا في رواية أبي ذر ، والصواب وقوعه ؛ لأن على رواية أبي ذر يوهم أن قوله مثنى إلى آخره روي عن ابن عباس وليس كذلك ؛ فإنه لم يرو عن ابن عباس ، وإنما هو قول أبي عبيدة ، وتفسيره قوله يعني اثنتين يرجع إلى قوله مثنى ، وقوله وثلاثا يرجع إلى قوله وثلاث ، وقوله وأربعا يرجع إلى قوله ورباعا ، وليس المعنى على ما ذكره ، بل معناه المكرر نحو اثنتين اثنتين ، والظاهر أنه تركه اعتمادا على الشهرة ، أو عنده ليس بمعنى التكرار ، وليس فيها الانصراف للعدل والوصف ، وقال [18/163] الزمخشري لما فيها من العدلين عدلها عن صيغتها ، وعدلها عن تكررها ، قوله " ولا تجاوز العرب رباع " إشارة إلى أن هذا اختياره ، وفيه خلاف قاله ابن الحاجب ، هل يقال خماس ومخمس إلى عشار ومعشر ؟ قال : فيه خلاف ، والأصح أنه لم يثبت ، وذكر الطبري أن العشرة يقال فيها عشار ، ولم يسمع في غير بيت للكميت وهو قوله :
فلم يستريثوك حتى رميـ
ـت فوق الرجال خصالا عشارا
يريد عشرا ، وذكر النحاة أن خلفا الأحمر أنشد أبياتا غريبة فيها من خماس إلى عشار .