باب لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا الآية

أي هذا باب فيه قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية ، وهذا المقدار بلفظ باب في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره هكذا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ الآية ، وتمام الآية إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [18/168] وأول الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا وأن مصدرية . قوله : " كَرْهًا " مصدر في موضع الحال ، وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف ، ومعنى العضل يأتي عن قريب . قوله : " بِفَاحِشَةٍ " قال ابن مسعود وابن عباس هي الزنا ، يعني إذا زنت فللزوج أن يسترجع الصداق الذي أعطاها ويضاجرها حتى تترك له ، وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وعطاء الخراساني وأبو قلابة والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال ، وعن ابن عباس : الفاحشة المبينة النشوز والعصيان ، وحكي ذلك أيضا عن الضحاك وعكرمة ، واختار ابن جرير أنه أعم من الزنا والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك .
ويذكر عن ابن عباس : لا تعضلوهن لا تقهروهن

هذا وصله أبو محمد الرازي عن أبيه حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وفي رواية الكشميهني : لا تعضلوهن لا تنهروهن من الانتهار ، وهي رواية القابسي أيضا ، وقال بعضهم : هذه الرواية وهم ، والصواب ما عند الجماعة . قلت : لا يدرى ما وجه الصواب هنا ، ومعنى الانتهار لا يخلو عن معنى القهر على ما لا يخفى .
حوبا إثما

أشار به إلى ما في قوله عز وجل وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا وفسر حوبا بقوله إثما ، ووصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا قال إثما عظيما ، وعن مجاهد والسدي والحسن وقتادة مثله ، وقرأ الحسن بفتح الحاء ، والجمهور على الضم .
تعولوا تميلوا

أشار به إلى ما في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا وَآتُوا وفسر قوله أن لا تعولوا بحذف أن بقوله تميلوا ، وفسره جماعة نحوه ، وأسنده ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس ، وذكر نحوه مرفوعا ، وقال إن معناه تجوروا ، وفسره الشافعي بقوله لا يكثر عيالكم ، وأنكره المبرد ، ووجه إنكاره أنه لو كان معناه نحو ما قاله الشافعي لكان قال أن لا تعيلوا من أعال ، وهو من الثلاثي المزيد فيه ، والذي في الآية من الثلاثي المجرد .
نحلة النحلة المهر

أشار به إلى ما في قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً وفسرها بقوله المهر ، وفي رواية أبي ذر " فالنحلة المهر " بالفاء ، وقال الإسماعيلي ، إن كان هذا التفسير من البخاري ففيه نظر ، وقد قيل فيه غير ذلك ، وأقرب الوجوه أن النحلة ما يعطونه من غير عوض ، ورد عليه بأن ابن أبي حاتم والطبري قد رويا من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً قال النحلة المهر ، وقال مقاتل وقتادة وابن جريج : نحلة أي فريضة مسماة ، وقال ابن دريد : النحلة في كلام العرب الواجب تقول لا ينكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب ، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق . قوله : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ " الخطاب للناكحين ، أي أعطوا النساء مهورهن ، والصدقات جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال ، وهي لغة أهل الحجاز وتميم تقول صدقة بضم الصاد وسكون الدال ، فإذا جمعوا يقولون : صدقات بضم الصاد وسكون الدال وبضمها أيضا مثل ظلمات ، وانتصاب نحلة على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء ، أو على الحال من المخاطبين ، أي آتوهم صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء أو من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيب الأنفس .
101 - حدثنا محمد بن مقاتل ، حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الشيباني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال الشيباني ، وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس [18/169] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها ، فنزلت هذه الآية في ذلك .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي ، وأسباط بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالباء الموحدة ابن محمد بن عبد الرحمن القرشي الكوفي ، قال الواقدي : مات في أول سنة مائتين ، وأدركه البخاري بالسن ، وعن ابن معين كان يخطئ عن سفيان ؛ فلذلك ذكره ابن البرقي في الضعفاء ، ولكن قال : كان ثبتا فيما يروي عن الشيباني ومطرف ، وقال العقيلي : ربما وهم في الشيء ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، والشيباني بالشين المعجمة ، وهو سليمان بن فيروز ، وأبو الحسن اسمه عطاء ، وقال الكرماني : اسمه مهاجر ، مر في باب الإبراد بالظهر . قلت : قال البخاري في باب الإبراد بالظهر : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن سمع زيد بن وهب الحديث ، وظن الكرماني أنهما واحد ، وليس كذلك ؛ لأن المذكور في باب الإبراد بالظهر التيمي ، والمذكور هنا السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو الممدودة وكسر الهمزة نسبة إلى بني سواء بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بطن كبير .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الإكراه عن الحسين بن منصور ، وأخرجه أبو داود في النكاح عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي في التفسير عن أحمد بن حرب .
قوله : " أخبرنا أسباط " وفي بعض النسخ حدثنا . قوله : " وذكره " أي الحديث . قوله : " ولا أظنه " أي ولا أحسبه ، وأشار بهذا إلى أن للشيباني طريقين أحدهما موصول ، وهو عن عكرمة عن ابن عباس ، والآخر مشكوك في وصله ، وهو عن أبي الحسن السوائي ، عن ابن عباس . قوله : " قال كانوا " أي قال ابن عباس كانوا أي الجاهلية ، قاله السدي ، وقال الضحاك : أي أهل المدينة . قوله : " فهم " ويروى وهم بالواو . قوله : " فنزلت هذه الآية " يعني الآية المذكورة وهي قوله لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا