|
باب فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا
أي هذا باب فيه قوله تعالى: إِذَا جِئْنَا الآية ، أخبر الله تعالى بهذه الآية الكريمة عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه ، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد يعني الأنبياء عليهم السلام ، وقال الزمخشري : فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم كقوله وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ المكذبين شَهِيدًا وفي التلويح واختلف في المعنى بقوله هؤلاء من هم ، فعند الزمخشري هم المكذبون ، وقال مقاتل : هم كفار أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي تفسير ابن النقيب هم سائر أمته - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان كذلك ففيه قولان : أحدهما أنه يشهد عليهم ، والثاني أنه يشهد لهم ، فعلى هذا يكون على بمعنى اللام ، وقيل : المراد بهم أمة الكفار ، وقيل : إنهم اليهود والنصارى ، وقيل : هم كفار قريش دون غيرهم ، وفي الذي يشهد به أقوال أربعة ؛ الأول : أنه يشهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ أمته قاله ابن مسعود وابن جريج والسدي ومقاتل . الثاني : أنه يشهد بإيمانهم قاله أبو العالية . الثالث : أنه يشهد بأعمالهم قاله مجاهد وقتادة . الرابع : أنه يشهد لهم وعليهم قاله الزجاج . المختال والختال واحد
أشار بهذا إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا والمختال المتكبر أي يتخيل في صورة من هو أعظم منه كبرا ، وقال الزمخشري : هو التياه والجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه . قوله : " واحد " يعني في المعنى ، وفيه نظر لأن المختال من الخيلاء ، والختال بتشديد التاء المثناة من فوق من الختل وهو الخديعة ، فلا يناسب معنى الكبر ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي المختال والخال واحد ، والخال بدون التاء ، وصوب هذا جماعة ، وكذا في كلام أبي عبيدة . فإن قلت : ما وجه التصويب فيه فكيف هنا بمعنى واحد ؟ قلت : الخال يأتي لمعان كثيرة منها معنى الكبر ؛ لأن الخال بمعنى الخائل وهو المتكبر ، وقال بعضهم : الخال يطلق على معان كثيرة نظمها بعضهم في قصيدة تبلغ نحوا من العشرين بيتا . قلت : كتبت قصيدة في مؤلفي رونق المجالس تنسب إلى ثعلب تبلغ هذه اللفظة فيها نحوا من أربعين . نطمس وجوها نسويها حتى تعود كأقفائهم ، طمس الكتاب محاه
أشار به إلى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا وفسره بقوله نسويها . قوله : " حتى تعود كأقفائهم " وأسند الطبري عن قتادة أن المراد أن تعود الأوجه في الأقفية ، وعن قتادة تذهب بالشفاه والأعين والحواجب فيردها أقفاء ، وقال أبي بن كعب : هو تمثيل وليس المراد حقيقتها حسا ، وقال الكرماني نطمس منصوب على الحكاية من قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ [18/174] وأشار بقوله طمس الكتاب محاه إلى أن الطمس يجيء بمعنى المحو أيضا . سعيرا وقودا
أشار به إلى قوله تعالى: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا وفسر سعيرا بقوله وقودا ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال بعضهم : هذه التفاسير ليست لهذه الآية وكأنها من النساخ . قلت : هذا بعيد جدا لأن غالب الكتاب جهلة فمن أين لهم هذه التفاسير ، وبأي وجه يلحقون مثل هذه في مثل هذا الكتاب الذي لا يلحق أساطين العلماء شأوه ، ومن شأن النساخ التحريف والتصحيف والإسقاط ، وليس من دأبهم أن يزيدوا في كتاب مرتب منقح من عندهم ، ولو قال : وكأنه من بعض الرواة المعتنين بالجامع لكان له وجه ما ، ولا يبعد أن يكون هذا من نفس البخاري من غير تفكر فيه ، فإن تنبه عليه فلعله ما أدرك إلى وضع هذه التفاسير في محلها ، ثم استمرت على ذلك . 104 - حدثنا صدقة ، أخبرنا يحيى ، عن سفيان ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله ، قال يحيى : بعض الحديث عن عمرو بن مرة قال : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : اقرأ علي . قلت : آقرأ عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : فإني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا قال : أمسك ، فإذا عيناه تذرفان
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وصدقة هو ابن الفضل أبو الفضل المروزي ، ويحيى بن سعيد القطان ، وسفيان هو الثوري ، وسليمان هو الأعمش ، وإبراهيم هو النخعي ، وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة ابن عمرو السلماني . ومن سفيان إلى آخره كلهم كوفيون ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد ، وهم سليمان وإبراهيم وعبيدة وعبد الله هو ابن مسعود وعمرو بفتح العين ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء الجملي بفتح الجيم التابعي . والحديث أخرجه البخاري في فضائل القرآن عن محمد بن يوسف ، وعن عمر بن حفص ، وعن مسدد ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر وغيره ، وأخرجه أبو داود في العلم عن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غيلان وغيره ، وأخرجه النسائي فيه عن هناد بن السري به ، وفي فضائل القرآن عن سويد بن نصر به ، وعن غيره . قوله : " قال يحيى " هو القطان ، وقال الكرماني : قد ذكر البخاري كلام يحيى للتقوية وإلا فإسناد عمرو مقطوع ، وبعض الحديث مجهول . قلت : ظاهره كذا ، ولكنه أوضحه في فضائل القرآن في باب البكاء عند قراءة القرآن عن مسدد عن يحيى عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله . قال الأعمش : وبعض الحديث حدثني عمرو بن مرة ، عن إبراهيم ، عن أبيه عن أبي الضحى ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " اقرأ علي " الحديث قوله : " اقرأ علي " فيه أن القراءة من الغير أبلغ في التدبر والتفهم من قراءة الإنسان بنفسه ، وفيه فضل ظاهر لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وفي تفسير عبد لما قرأ عبد الله هذه الآية قال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد . قوله : " فإذا عيناه " كلمة إذا للمفاجأة ، وعيناه مبتدأ وتذرفان خبره أي عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تطلقان دمعهما يقال : ذرف الدمع بالذال المعجمة ، وذرفت العين دمعها ، وفي بكاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وجوه ؛ الأول : قال ابن الجوزي : بكاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم عند هذه الآية الكريمة لأنه لا بد من أداء الشهادة والحكم على المشهود عليه ، إنما يكون بقول الشاهد ، فلما كان صلى الله تعالى عليه وسلم هو الشاهد وهو الشافع بكى على المفرطين منهم . الثاني : أنه بكى لعظم ما تضمنته هذه الآية الكريمة من هول المطلع وشدة الأمر ، إذ يؤتى بالأنبياء عليهم السلام شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب . الثالث : أنه بكى فرحا لقبول شهادة أمته صلى الله تعالى عليه وسلم يوم القيامة ، وقبول تزكيته لهم في ذلك اليوم العظيم .
|