وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول :
395 - حدثنا الحميدي : ثنا سفيان : ثنا عمرو
بن دينار ، قال : سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة ، ولم يطف بين الصفا والمروة ، أيأتي امرأته ؟ فقال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة ، وقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .
396 - وسألنا جابر بن عبد الله ، فقال : لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة .


مقصوده من هذا الحديث هاهنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ، وكذلك فعل في حجته - أيضا .
وقد روى جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية عند صلاته خلف المقام : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى
خرجه مسلم .
وهذا كله يدل على أن المراد بمقام إبراهيم في الآية : مقامه المسمى بذلك [2/300] عند البيت ، وهو الحجر الذي كان فيه أثر قدمه عليه السلام ، وهذا قول كثير من المفسرين .
وقال كثير منهم : المراد بمقام إبراهيم : الحج كله .
وبعضهم قال : الحرم كله .
وبعضهم قال : الوقوف بعرفة ، ورمي الجمار والطواف ، وفسروا المصلى : بالدعاء ، وهو موضع الدعاء .
وروي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .
وقد يجمع بين القولين ، بأن يقال : الصلاة خلف المقام المعروف داخل فيما أمر به من الاقتداء بإبراهيم عليه السلام مما في أفعاله في مناسك الحج كلها واتخاذها مواضع للدعاء وذكر الله .
كما قالت عائشة - وروي مرفوعا - : " إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " .
خرجه أبو داود والترمذي .
فدلالة الآية على الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام لا تنافي دلالتها على الوقوف في جميع مواقفه في الحج لذكر الله ودعائه والابتهال إليه . والله أعلم .
وبكل حال ؛ فالأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى لا يدخل فيه الصلاة إلى البيت إلا أن تكون الآية نزلت بعد الأمر باستقباله ، وحديث عمر قد يشعر بذلك .
فيكون حينئذ مما أمر به من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى : استقبال البيت الذي بناه في الصلاة إليه ، كما كان إبراهيم يستقبله ، وخصوصا إذا كانت الصلاة عنده .
وعلى هذا التقدير يظهر وجه تبويب البخاري على هذه الآية في " أبواب [2/301] استقبال القبلة " ، وإلا ففيه قلق . والله أعلم .