|
باب " إن الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " الآية
أي هذا باب في قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ " الآية ، وليس عند جميع الرواة لفظ باب ، إلا أنه وقع في بعض النسخ ، وعند الأكثرين " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ " إلى قوله : " فَتُهَاجِرُوا فِيهَا " كما هو هنا كذلك ، وعند أبي ذر إلى " فِيمَ كُنْتُمْ " الآية ، وقال الواحدي : نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا ، وأظهروا الإيمان ، وأسروا النفاق ، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين ، فقتلوا فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقال مقاتل : كانوا نفرا [18/188] أسلموا بمكة منهم الوليد بن المغيرة ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والوليد بن عتبة بن ربيعة ، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية بن عبد شمس ، والعلاء بن أمية بن خلف ، ثم إنهم أقاموا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر ، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : غر هؤلاء دينهم ، وكان بعضهم نافق بمكة ، فلما قتلوا ببدر قالت لهم الملائكة وهو ملك الموت وحده : فِيمَ كُنْتُمْ ؟ يقول : في أي شيء كنتم ؟ قالوا : كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ يعني كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان . فقال ملك الموت : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ يعني المدينة فَتُهَاجِرُوا فِيهَا يعني إليها ، قوله : " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ " ذكر في تفسير ابن النقيب التوفي هنا بمعنى قبض الروح ، وقال الحسن : هو الحشر إلى النار ، والملائكة هنا ملك الموت وأعوانه وهم ستة : ثلاثة لأرواح المؤمنين ، وثلاثة لأرواح الكافرين ، وظلم النفس هنا ترك الهجرة ، وخروجهم مع قومهم إلى بدر ، وقيل : ظلموا أنفسهم برجوعهم إلى الكفر ، وقيل : ظلموا أنفسهم بالشك الذي حصل في قلوبهم حين رأوا قلة المسلمين ، وقال الثعلبي : الملائكة هنا ملك الموت وحده ؛ لأنه مجمل يحتمل أن يراد هو ويحتمل غيره ، فحمل المجمل على المفسر ، وهو قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وجمع كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ والله تعالى واحد . قوله : " ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " نصب على الحال . قوله : " قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ " سؤال توبيخ وتقريع ، أي أكنتم في أصحاب محمد أم كنتم مشركين ؟. قوله : " كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ " أي كنا لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض ، قوله : " فِي الأَرْضِ " أرادوا بها مكة ، والأرض اسم لبلد الرجل وموضعه . قوله : " قَالُوا " أي الملائكة . أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً محاججة الملائكة . قوله : " فَتُهَاجِرُوا فِيهَا " أي إليها ، أي إلى المدينة مع المسلمين . 118 - حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا حيوة وغيره قالا : حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : قطع على أهل المدينة بعث ، فاكتتبت فيه ، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس ، فأخبرته ، فنهاني عن ذلك أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل ، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله بن يزيد من الزيادة ، المقرئ من الإقراء ، وحيوة بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف ابن شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبحاء مهملة ، يكنى بأبي زرعة التجيبي بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف ، وبالباء الموحدة . قوله : " وغيره " أي حدثني غير حيوة وهو عبد الله بن لهيعة المصري ، وأبو الأسود ضد الأبيض الأسدي المدني . والحديث رواه البخاري أيضا في الفتن عن عبد الله بن يزيد المذكور ، وأخرجه النسائي في التفسير عن زكريا بن يحيى ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن المقرئ ، عن حيوة به ، ورواية ابن لهيعة أخرجها الطبراني وابن أبي حاتم ، رواه عن يونس بن عبد الأعلى أن عبد الله بن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود فذكره . قوله : " قطع " على صيغة المجهول . قوله : " بعث " بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وبالثاء المثلثة وهو الجيش ، والمعنى أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام ، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة . قوله : " فاكتتبت " على صيغة المجهول من الاكتتاب وهو من باب الافتعال . قوله : " أن ناسا من المسلمين " وهم الذين ذكرناهم عن مقاتل عن قريب . قوله : " يكثرون " من التكثير . قوله : " فيصيب " عطف على قوله : " يأتي السهم " وكان غرض عكرمة من نهيه أبا الأسود أن الله تعالى ذمهم بتكثير سوادهم مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم ، فكذلك أنت لأنك تكثر سواد هذا الجيش المأمور بذهابهم لقتال أهل الشام ولا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله . قوله : " فأنزل الله تعالى " هكذا جاء هنا في سبب نزول هذه الآية ، وقد ذكرنا عن قريب وجوها أخرى في ذلك مع تفسير الآية . [18/189] رواه الليث عن أبي الأسود
أي روى الحديث المذكور الليث بن سعد عن أبي الأسود المذكور ، ورواه الإسماعيلي عن أحمد بن منصور الرمادي قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني الليث عن أبي الأسود ، ورواه الطبراني في الأوسط ، وقال : ولم يروه عن أبي الأسود إلا الليث وابن لهيعة . انتهى . ورواية البخاري من طريق حيوة بن شريح ترد عليه .
|