[2/316] 32 - باب
ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة
وقد سلم النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الظهر ، فأقبل على الناس بوجهه ، ثم أتم ما بقي .
خرج فيه ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
قال :
402 - حدثنا عمرو بن عون : ثنا هشيم ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وآية الحجاب ، قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نساءك أن يحتجبن ؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية .
وقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا - بهذا


هذا الحديث مشهور عن حميد ، عن أنس ، وقد خرجه البخاري - أيضا - في " التفسير " من حديث يحيى بن سعيد ، عن حميد .
[2/317] ورواه - أيضا - يزيد بن زريع وابن علية وابن أبي عدي وحماد بن سلمة وغيرهم ، عن حميد ، عن أنس .
وإنما ذكر البخاري رواية يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا ؛ ليبين به أن حميدا سمعه من أنس ؛ فإن حميدا يروي عن أنس كثيرا .
وروي عن حماد بن سلمة ، أنه قال : أكثر حديث حميد لم يسمعه من أنس ، إنما سمعه من ثابت ، عنه .
وروي عن شعبة ، أنه لم يسمع من أنس إلا خمسة أحاديث .
وروي عنه ، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثا .
وقد سبق القول في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في لفظة : " ثنا " - : كما قاله الإسماعيلي .
وقال علي ابن المديني في هذا الحديث : هو من صحيح الحديث .
ولم يخرج مسلم هذا الحديث ، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر ، عن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في الحجاب ، وفي أسارى بدر ، وفي مقام إبراهيم .
وقد أعله الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد - رحمه الله - بأنه روى عن سعيد بن عامر ، عن جويرية ، عن رجل ، عن نافع ، أن عمر قال : وافقت ربي في ثلاث . فدخل في إسناده رجل مجهول ، وصار منقطعا .
وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع ، قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر : هذا مقام إبراهيم ؟ قال : " نعم " ، قال : أفلا [2/318] نتخذه مصلى ؟ فأنزل الله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى .
وهذا غريب ، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع ، وأن الآية نزلت بعد ذلك ، وهو بعيد جدا ، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن . وقد خالفه الحفاظ ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى المقام ، وقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ثُمَّ صلى ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت
.
وروى الوليد بن مسلم ، عن مالك ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول الله ، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ؟ قال : " نعم " .
قال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك ؟ قال : نعم .
وقد خرجه النسائي بمعناه .
والوليد ، كثير الخطأ - : قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما .
وذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم ؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع .

وقد روي حديث أنس ، عن عمر من وجه آخر :
خرجه أبو داود الطيالسي : ثنا حماد بن سلمة : ثنا علي بن زيد ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد ، إلا أنه قال في الحجاب : فأنزل الله : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [2/319] قال : ونزلت هذه الآية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزل : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
وقول عمر : " وافقت ربي في ثلاث " ، ليس بصيغة حصر ، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع .
ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله : النهي عن الصلاة على المنافقين .
وقوله لليهود : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فنزلت الآية .
وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه ووجد عليهن : يا رسول الله ، إن كنت طلقتهن ، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . قال عمر : وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ، فنزلت آية التخيير : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ الآية .
وقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر .
وأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين ؛ فمخرج في " الصحيحين " من حديث ابن عباس ، عن عمر - أيضا .
وأما موافقته في قوله : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فرواه : أبو جعفر الرازي ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى ، عن عمر .
ورواه : داود ، عن الشعبي ، عن عمر ، وهما منقطعان .
[2/320] وقد روي موافقته في خصال أخر ، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة .
وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب : يدل على أنه فسر قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم ، وهو الكعبة ، والأكثرون على خلاف ذلك ، كما سبق ذكره .