الحديث الثالث :
404 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا ، فقالوا : أزيد في الصلاة ؟ قال : " وما ذاك ؟ " قالوا : صليت خمسا ، فثنى رجليه ، فسجد سجدتين .


قد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن السهو عن استقبال القبلة لا يبطل الصلاة ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين [2/323] في الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي ، وهذا إشارة منه إلى حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين .
وقد خرجه البخاري في " أبواب سجود السهو " ، لكن ليس عنده أنه أقبل على الناس بوجهه ، وإنما فيه : أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها .
وفي " صحيح مسلم " أنه أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها .
وهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبل الناس بوجهه ، إلا أن يكون استند إليها وظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة .
وإنما يعرف لفظ : " ثم أقبل على الناس بوجهه " في حديث ابن مسعود الذي خرجه البخاري هاهنا .
وقد خرجه النسائي من طريق شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، ولفظه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر ، ثم أقبل عليهم بوجهه ، فقالوا : أحدث في الصلاة حدث ؟ قال : " وما ذاك ؟ " فأخبروه بصنيعه ، فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم .
ولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو ، على تقدير أن يكون زاد في الصلاة ؛ فإن إبراهيم شك : هل كان زاد فيها أو نقص ، كذا في " صحيح مسلم " التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم .
وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عمران بن حصين ، قال : سلم [2/324] رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ؟ فخرج مغضبا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم .
ودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية ؛ لأن الحجرة كانت عن يساره .
ومقصود البخاري : أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصَّلاة سهوا عن غير تعمد لا تبطل به الصَّلاة ، كما دل عليه حديث سجود السهو ، وقد نص عليه أحمد وغيره ، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا تبطل صلاته بذلك ، ولا إعادة عليه ، والله أعلم .
ورواية النسائي لحديث ابن مسعود يستدل بها على أن من نسي سجود السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد ، وإن كان قد صرف وجهه عن قبلته ، وهو قول الجمهور ، خلافا للحسن وابن سيرين في قولهما : لا يسجد حينئذ .
وقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل ؛ كما هو قول الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايات عنه .
وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانا يعفى عنه ، وهو رواية عن أحمد ، وقول للشافعي .
واستدل به بعضهم : على أن من سلم من نقصان فإنه يبني على ما مضى من صلاته ، وإن طال الفصل ، وهو قول الأوزاعي وغيره .
وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في موضعه - إن شاء الله تعالى .