|
203 - حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال : قرأ ابن عباس : ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ، وقال غيره عن ابن عباس : يستغشون : يغطون رؤوسهم ) .
هذا طريق آخر أخرجه عن عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار . قوله : ( يثنون ) بفتح الياء ، وسكون الثاء المثلثة ، وضم النون ، وهي القراءة المشهورة ، ولفظ صدورهم منصوب به . قوله : ( ليستخفوا منه ) قد مر تفسيره عن قريب . قوله : ( وقال غيره ) أي غير عمرو بن دينار روى عن ابن عباس . سيء بهم : ساء ظنه بقومه ، وضاق بهم : بأضيافه .
أشار به إلى قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا والذي فسره البخاري مروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، أخرجه الطبري ، والضمير في بهم يرجع إلى قوم لوط ، وفي الذي ضاق بهم يرجع إلى الأضياف ، وهم الملائكة الذين أتوا لوطا في صورة غلمان جرد ، فلما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه ، وضاق صدره ، وعظم المكروه عليه . قوله : وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا قال الزجاج : يقال : ضاق زيد بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكروه الذي أصابه مخلصا . بقطع من الليل بسواد .
أشار به إلى قوله تعالى : فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد ، الآية ، وفسر القطع بسواد ، وهو مروي هكذا عن ابن عباس ، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وقال أبو عبيدة : معناه ببعض من الليل ، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : بطائفة من الليل . وقال مجاهد : أنيب أرجع .
أشار به إلى قوله تعالى : وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وفسر أنيب من الإنابة بقوله أرجع ، وقد وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا ، ولم تقع نسبة هذا إلى مجاهد في رواية أبي ذر ، وربما يوهم ذلك أنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وليس كذلك ، وهنا تفسير ألفاظ وقعت في بعض النسخ قبل باب : وكان عرشه على الماء . سجيل : الشديد الكبير ، سجيل وسجين ، واللام والنون أختان ، وقال تميم بن مقبل :
| ورجلة يضربون البيض ضاحية | | ضربا تواصى به الأبطال سجينا |
أشار به إلى قوله تعالى : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ وفسره بقوله الشديد الكبير بالباء وبالثاء المثلثة أيضا ، وقال أبو عبيدة : هو الشديد من الحجارة الصلب ، واعترض ابن التين بأنه لو كان معنى السجيل الشديد الكبير لما دخلت [18/291] عليه من ، وكان يقول : حجارة سجيلا لأنه لا يقال : حجارة من شديد . قلت : يمكن أن يكون فيه حذف تقديره : وأرسلنا عليهم حجارة كائنة من شديد كبير يعني من حجر قوي شديد صلب . قوله : ( سجيل وسجين ) أراد به أنهما لغتان باللام والنون بمعنى واحد . قوله : ( واللام والنون أختان ) إشارة إلى أنهما من حروف الزوائد ، وأن كلا منهما يقلب عن الآخر ، واستشهد على ذلك بقول تميم بن مقبل بن حبيب بن عوف بن قتيبة بن العجلان بن كعب بن عامر بن صعصعة العامري العجلاني شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ، وكان أعرابيا جافيا أحد الغور من الشعراء المجيدين ، والبيت المذكور من جملة قصيدته التي ذكر فيها ليلى زوج أبيه ، وكان خلف عليها فلما فرق الإسلام بينهما قال :
| طاف الخيال بنا ركبا يمانيا | | ودون ليلى عواد لو تعدينا | | منهن معروف آيات الكتاب وإن | | نعتل تكذب ليلى ما تمنينا | إلى أن قال :
| وعاقد التاج أو سام له شرف | | من سوقة الناس عادته عوادينا | | فإن فينا صبوحا إن أريت به | | ركبا بهيا وآلافا تمانينا | | ورجلة يضربون البيض ضاحية | | ضربا تواصى به الأبطال سجينا |
وهي من البسيط ، والاستشهاد في قوله : سجينا لأنه بمعنى شديدا كثيرا . قوله : ( ورجلة ) قال الكرماني : الرجلة بمعنى الرجالة ضد الفرسان . قلت : هو بفتح الراء ، وسكون الجيم ، وليس بمعنى الرجالة بل بمعنى الرجل بدون التاء ، وفي الأصل الرجل جمع راجل خلاف الفارس مثل صحب جمع صاحب ، والظاهر أنه بضم الراء ، والتقدير : وذوي رجلة أي رجولية ، ويقال راجل جيد الرجلة بالضم يعني كامل في الرجولية ، وقال الكرماني : وهو بالجر ، وقيل بالنصب معطوفا على ما قبله ، وهو قوله : فإن فينا صبوحا . قلت : ولم يبين وجه الجر ، والظاهر أن الواو فيه واو رب أي رب ذوي رجلة . وحكى ابن التين بالحاء المهملة ، ولم يبين وجهه ، فإن صح ذلك فوجهه أن يقال تقديره : وذوي رحلة بالضم أي قوة وشدة يقال : ناقة ذات رحلة أي ذات شدة وقوة على السير ، وحكي هذا عن أبي عمرو . قوله : ( البيض ) بكسر الباء جمع أبيض ، وهو السيف ، ويجوز بفتح الباء جمع بيضة الحديد . قوله : ( ضاحية ) أي في وقت الضحوة أو ظاهرة . قوله : ( تواصى ) أصله تتواصى فحذفت إحدى التاءين ، ويروى تواصت بالتاء في آخره . قوله : ( الأبطال ) جمع بطل ، وهو الشجاع . قوله : ( سجينا ) بكسر السين المهملة ، وتشديد الجيم ، وقال الحسن بن المظفر النيسابوري : كأنه هو فعيل من السجن يثبت من وقع فيه فلا يبرح مكانه ، وقال المؤرخ : سجيل وسجين أي دائم ، ورواه ابن الأعرابي سخينا بالخاء المعجمة ، أي سخينا حارا يعني الضرب ، وقال ابن قتيبة : السجيل بالفارسية سنك كل أي حجارة وطين . قلت : سنك بفتح السين المهملة ، وسكون النون ، وبالكاف ، الصماء وهو الحجر بالفارسية ، وكل بكسر الكاف الصماء ، وسكون اللام الطين ، فلما عرب كسرت السين لأن العرب إذا استعملت لفظا أعجميا يتصرفون فيه بتغيير الحركات ، وقلب بعض الحروف ببعض ، وذكروا أقوالا في لفظ سجيل المذكور في الآية الكريمة ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ففي التلويح : واختلف في لفظ سجيل فقيل هو دخيل ، وقيل هو عربي ، وقيل هو الحجارة كالمدر ، وقيل حجارة من سجيل طبخت بنار جهنم مكتوب عليها أسماء القوم ، وقال الحسن : أصله طين شوي ، وقال الضحاك : يعني الآجر ، وقال ابن زيد : طبخ حتى صار كالآجر ، وقيل اسم للسماء الدنيا ، وقال عكرمة : سجيل بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة ، وقيل هي جبال في السماء ، وهي التي أشار الله عز وجل إليها بقوله : وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ، وقال الثعلبي : قيل هو فعيل من قول العرب أسجلته إذا أرسلته فكأنها مرسلة عليهم ، وقيل هو من سجلت له سجلا إذا أعطيته كأنهم أعطوا ذلك البلاء والعذاب ، وقال القزاز : سجيل عال . استعمركم جعلكم عمارا ، أعمرته الدار فهي عمرى جعلتها له .
أشار به إلى قوله تعالى : هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ الآية ، وفسره بقوله : جعلكم عمارا ، وهكذا [18/292] روي عن مجاهد . قوله : ( أعمرته الدار ) إلى آخره مر في كتاب الهبة . قوله : ( جعلتها له ) أي هبة ، وهذا لم يثبت إلا في رواية أبي ذر . نكرهم ، وأنكرهم ، واستنكرهم ، واحد .
أشار به إلى قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً الآية ، أي فلما رأى أيدي الملائكة لا تصل إلى عجل حنيذ الذي قدمه إليهم حين جاء خاف فقالوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ، وأشار بأن معنى نكرهم الثلاثي المجرد ، وأنكرهم الثلاثي المزيد فيه ، واستنكرهم من باب الاستفعال كلها بمعنى واحد من الإنكار ، وقال الجوهري : نكرت الرجل بالكسر نكرا ، ونكورا ، وأنكرته كله بمعنى . حميد مجيد كأنه فعيل من ماجد . محمود من حمد .
أشار به إلى قوله عز وجل : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ أي أن الله هو الذي يستحق الحمد والمجد ، والمجد الشرف يقال : رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء . قوله : ( كأنه فعيل ) ليس هذا محل الشك حتى قال : كأنه فعيل ، أي كأن وزنه فعيل ، بل هو على وزن فعيل من صيغة ماجد ، وحميد بمعنى محمود . قوله : ( من حمد ) أي أخذ حميد من حمد على صيغة المجهول ، وقال الطيبي : المجيد مبالغة الماجد من المجد ، وهو سعة الكرم من قولهم مجدت الماشية إذا صادفت روضة أنفا ، وأمجدها الراعي ، وقيل المجيد بمعنى العظيم الرفيع القدر . إجرامي هو مصدر من أجرمت ، وبعضهم يقول جرمت .
أشار به إلى قوله عز وجل : قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ قال الزمخشري : وإجرامي بلفظ المصدر والجمع كقوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ وينصر الجمع إن فسروه بآثامي ، والمعنى إن صح وثبت أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي ، ويقال : الإجرام اكتساب السيئة ، يقال أجرم فهو مجرم . قوله : ( وبعضهم ) يقول جرمت يعني من صيغة الثلاثي المجرد ، وهو قول أبي عبيدة ، وجرمت بمعنى كسبت . الفلك والفلك واحد ، وهي السفينة والسفن .
أشار به إلى قوله تعالى وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وأشار بأن الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع بلفظ واحد ، فلذلك قال : وهي السفينة والسفن ، أي الفلك إذا أطلق على الواحد يكون المعنى السفينة ، وإذا أطلق على الجمع يكون المعنى السفن التي هي جمع سفينة ، والفاء فيهما مضمومة ، فضمة المفرد مثل ضمة قفل ، وضمة الجمع مثل ضمة أسد جمع أسد . مجراها مدفعها ، وهو مصدر أجريت ، وأرسيت حبست ، ويقرأ مرساها من رست هي ، ومجراها من جرت هي ، ومجريها ومرسيها من فعل بها .
أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا وفسر مجراها بضم الميم الذي هو قراءة الجمهور بقوله مدفعها ، وأراد به مسيرها ، وعن ابن عباس : مجراها حيث تجري ، ومرساها حيث ترسي . قوله : ( وهو مصدر أجريت ) أراد به المصدر الميمي ، والمصدر على بابه من أجريت إجراء . قوله : ( وأرسيت حبست ) أي معنى أرسيت حبست . قوله : ويقرأ مرساها يعني بفتح الميم ، وهي قراءة الكوفيين حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم . قوله : ( من رست ) أي أن مرساها بفتح الميم مأخوذ من رست أي السفينة إذا ركدت واستقرت ، وكذلك مجراها بفتح الميم من جرت هي أي من جرت تجري جريا . قوله : ( ومجريها ومرسيها ) يعني تقرأ بضم الميم فيهما ، وهي قراءة يحيى بن وثاب ، والمعنى الله مجريها ومرسيها ( فالأول ) من الإجراء ( والثاني ) من الإرساء . قوله : ( من فعل بها ) بصيغة المعلوم والمجهول ، يرجع إلى القراءتين ففي قراءة بفتح الميم بصيغة المعلوم ، وفي قراءة بلفظ الفاعل بصيغة المجهول . [18/293] الراسيات ثابتات .
ذكر هذا استطرادا لذكر مرساها لأنه ليس في سورة هود ، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ أي ثابتات عظام . عنيد ، وعنود ، وعاند ، واحد هو تأكيد التجبر .
أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وأشار بأن هذه الألفاظ الثلاثة معناها واحد ، وهو تأكيد التجبر ، وقال ابن قتيبة : معنى عنيد المعارض المخالف . ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ، واحد الأشهاد شاهد مثل صاحب وأصحاب .
أشار به إلى قوله تعالى : وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا الآية ، وأشار إلى أن الأشهاد جمع ، واحده شاهد مثل أصحاب واحده صاحب ، وقال زيد بن أسلم : الأشهاد أربعة : الأنبياء ، والملائكة عليهم السلام ، والمؤمنون ، والأجناد ، وقال الضحاك : الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وعن مجاهد : الملائكة ، وعن قتادة : الخلائق ، رواه ابن أبي حاتم .
|
|
|