والثاني
قال :
414 - ثنا عليّ : ثنا سفيان : ثنا الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر نخامة في قبلة المسجد ، فحكها بحصاة ، ثم نهى أن يبزق الرجل بين يديه ، أو عن يمينه ، ولكن عن يساره ، أو تحت قدمه اليسرى .
وعن الزهري : سمع حميدًا ، عن أبي سعيد - نحوه


ليس في هذه الرواية ذكر : " أبي هريرة " ، كما في الروايتين المتقدمتين عن الزهري .
وفي هذه الرواية : أن سفيان بن عيينة تارة ذكر سماع الزهري له من حميد ، وتارة عنعنه .
وعليٌّ شيخ البخاري ، هو : ابن المديني ، وكانت له عناية بذلك .
[2/342] وأما سماع حميد له من أبي هريرة وأبي سعيد ، فقد صرح به إبراهيم بن سعد في روايته عن الزهري ، وقد خرجه البخاري فيما تقدم .
ودل هذا الحديث - مع غيره من الأحاديث المتقدمة - : على أن المصلي يبزق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى .
وقد خرج مسلم في " صحيحه " من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه ، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فتنخع فدلكها بنعله اليسرى .
وخرجه أبو داود ، وعنده : عن يزيد ، عن أخيه مطرف ، عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله وهو يصلي ، فبزق تحت قدمه اليسرى .
ورواه ابن المبارك عن الجريري ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتنخم في المسجد ، ثم دلكه بنعله اليسرى .
وخرجه الطبراني بإسناد ضعيف ، وفيه : أنه كان يصلي على البلاط
.
والبلاط : خارج المسجد .
وروى إبراهيم بن طهمان ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن محمد بن أبي عاصم ، عمن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي رجليه نعلان ، فبزق فمسح بُساقَه بنعله في التراب ، والمسجد يومئذ فيه التراب .
وخرج أبو داود من حديث الفرج بن فضالة ، عن أبي سعيد ، قال : [2/343] رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري ، ثم مسحه برجله ، فقيل له : لم فعلت هذا ؟ قال : لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله .
وهذا يدل على جوازه في المسجد إذا غيَّبه ، وهو قول بعض أصحابنا ، ونص عليه أحمد في رواية أبي طالب ، قالَ : لا يبصق الرجل في المسجد تحت الباريّة ، فإنه يبقى تحت البارية ، وإذا كان حصى فلا بأس به ؛ لأنه يواري البصاق .
وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن العطاء ، قال : لا بأس بالتنخم في الحِجر إذا غيبه .
يعني : حجر البيت .
وفي " تهذيب المدونة " : ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه ولكن تحته ، ولا يبصق في حائط القبلة ، ولا في مسجد غير محصب إذا لم يقدر على دفن البصاق فيه ، وإن كان المسجد محصبا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه . انتهى .
ولعل هذا في غير الصَّلاة .
وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر ، أنه حصَّب المسجد ، وقال : هو أغفر للنخامة .
وقال : معناه : أستر لها وأشد تغطية .
قال أبو عبيد : فيه من الفقه الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن .
وقالت طائفة : لا يفعل ذلك في المسجد ، بل خارج المسجد ، ولا يبزق في المسجد إلا في ثوبه ، أو يبزق في المسجد ويحذف بصاقه إلى خارج المسجد حتى يقع خارجًا منه .
[2/344] وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد .
وكان أحمد يبزق في المسجد في الصلاة ، ويعطف بوجهه حتى يلقيه خارج المسجد عن يساره - : نقله عنه أبو داود .
وقال بكر بن محمد : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله ؟ قال : هذا ليس هو في كل الحديث . قال : والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت . قال : فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد ، يقع خارجا ، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجا أن يجعله في ثوبه .
وقد ذكرنا فيما تقدم عن حذيفة ، أن المصلي له أن يبصق خلفه ، وهذا إنما يكون بالتفات شديد بوجهه عن القبلة .
وقد روي هذا الحديث مرفوعا من حديث يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن طارق بن عبد الله المحاربي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا كنت في الصلاة ، فلا تبزق عن يمينك ولا بين يديك ، ولكن خلفك أو تلقاء شمالك أو تحت قدمك اليسرى " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .
وصححه ، وقال : العمل عليه عند أهل العلم .
وبوب عليه النسائي : " الرخصة للمصلي أن يبزق خلفه أو تلقاء شماله " .
وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث ، وهي قوله : " خلفك " ، وقال : لم يقل ذَلِكَ وكيع ولا عبد الرزاق .
قالَ الدارقطني : هي وهم من يحيى بن سعيد ، ولم يذكرها جماعة من [2/345] الحفاظ من أصحاب سفيان ، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه ، لم يقل أحد منهم : " ابزق خلفك " .

وروى سليمان بن حرب عن شعبة ، عن القاسم بن مهران ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزق عن يمينه ولا عن يساره ، ولا بين يديه ، ولكن تحت قدمه اليسرى ، فإن لم يستطع ففي ثوبه " .
وأخطأ سليمان في قوله : " ولا عن يساره " ؛ فقد رواه أصحاب شعبة ، عنه ، وقالوا : " ولكن عن يساره تحت قدمه " - : ذكره ابن أبي حاتم .
وقد خرجه مسلم في " صحيحه " كذلك .
واستدل ابن عبد البر بحديث تنخم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على أن النحنحة ونحوها لا تبطل الصلاة إذا كانت لعذر . قال : لأن للتنخم صوتا كالتنحنح ، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق .
وقد أشار البخاري إلى ذلك في أواخر " كتاب : الصلاة " - أيضا - ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .