|
[19/13] باب الذين جعلوا القرآن عضين .
أي هذا باب في قوله عز وجل : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وليس في بعض النسخ لفظ باب ، وقبله وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قوله : "وقل" أي قل يا محمد : " إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ " عذابا ، " كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ " فحذف المفعول فهو المشبه ، ودل عليه المشبه به كما تقول : أريتك القمر في الحسن أي رجلا كالقمر ، وقيل الكاف زائدة أي أنذرتكم ما أنزلنا بالمقتسمين ، وقيل : متعلق بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ، كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ والآن يجيء تفسير المقتسمين ، قوله : " الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ " صفة للمقتسمين ، قوله : " عِضِينَ " أي أعضاء متفرقة من عضيت الشيء أي فرقته ، وقيل : هو جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء أي جزأها أجزاء ، وقيل : أصلها عضهة فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة ، وأصلها شفهة ، ومن الشاة وأصلها شاهة ، وبعد الحذف جمع على عضين مثل ما جمع برة على برين ، وكرة على كرين ، وقلة على قلين ، وروى الطبري من طريق قتادة قال : عضين عضوه وبهتوه ، ومن طريق عكرمة قال : العضة السحر بلسان قريش : يقال للساحرة العاضهة . المقتسمين الذين حلفوا .
إنما سموا بذلك لأنهم كانوا يستهزئون بالقرآن فيقول بعضهم : السورة منه لي ، ويقول الآخر : السورة منه لي ، وقال مجاهد : فرقوا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها ، وكفر بعضها آخرون ، وقيل : هم قوم اقتسموا القرآن ، فقال بعضهم : سحر ، وقال آخرون : شعر ، وقال آخرون : أساطير الأولين ، وقال آخرون : كذب ، وسمر ، وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقار مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها ، وأنقابها ، فإذا جاء الحاج قال فريق منهم : لا تغتروا بالخارج منا مدعي النبوة فإنه مجنون ، وقالت طائفة على طريق آخر : إنه كاهن ، وقالت طائفة : إنه عراف ، وقالت طائفة : إنه شاعر ، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه كاهنا فإذا سئل عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : صدق أولئك يعني المقتسمين ، وأهلكهم الله عز وجل يوم بدر ، وقبله بآفات . ومنه لا أقسم أي أقسم وتقرأ لأقسم .
أي ومن معنى المقتسمين لا أقسم ، وأشار بذلك إلى أن معنى المقتسمين من القسم ، فلذلك قال : المقتسمين الذين حلفوا ، وليس الأمر كما ذكره بل هو من الاقتسام لا من القسم ، فلا يصح جعل لا أقسم منه ، قوله : "أي أقسم" أي معنى لا أقسم أقسم ، لأن كلمة لا مقحمة ، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مجازها أقسم بيوم القيامة ، وقيل : كلمة لا على بابها ، والمعنى : لا أقسم بكذا وكذا بل بكذا ، وقيل : معناه ليس الأمر كما زعمتم ، قوله : "وتقرأ" على صيغة المجهول ، والقارئ بها ابن كثير "لأقسم" بفتح اللام بغير مد، وهو لام التأكيد ، وقيل : لام القسم . قاسمهما حلف لهما ولم يحلفا له .
أشار بهذا إلى أن باب المفاعلة هنا ليس على أصله ، وإنما هو على معنى فعل لا للمشاركة ، وهذا في قوله تعالى : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ أي قاسم إبليس آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام ، ومعناه حلف لهما أنه من الناصحين لهما في قوله : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الآية ، قوله : "ولم يحلفا له" أي لم يحلف آدم وحواء لإبليس ، وبهذا أشار إلى عدم المشاركة في قوله : وقاسمهما ، كما ذكرناه . وقال مجاهد تقاسموا تحالفوا .
أي قال مجاهد في معنى قوله تعالى : تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي تحالفوا ، وكذا أخرجه الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه ، ومراده من ذكر هذا والذي قبله تقوية ما ذهب إليه من أن لفظ المقتسمين من القسم لا من القسمة ، وهو خلاف ما ذكره الجمهور من المفسرين . [19/14] 226 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : هم أهل الكتاب ، جزؤوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وهشيم مصغر الهشم ابن بشير بضم الباء الموحدة الواسطي ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، واسمه جعفر بن أبي وحشية ، واسمه إياس اليشكري ، والحديث من أفراده ، قوله : "جزؤوه" من التجزئة وهي التفرقة .
|