باب ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا .

أي هذا باب في قوله عز وجل : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إلى آخره ، قال المفسرون : يعني يا ذرية من حملنا ، وقال الزمخشري : وقرئ ذرية بالرفع بدلا من واو "تتخذوا" ، وقرأ زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه : "ذرية" بكسر الذال ، وروي عنه أنه فسرها بولد الولد ، قوله : " إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا " قال المفسرون : كان نوح عليه الصلاة والسلام إذا لبس ثوبا أو أكل طعاما أو شرب شرابا قال : الحمد لله ، فسمي عبدا شكورا ، وعن عمران بن سليم : إنما سمي نوح عليه الصلاة والسلام عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل طعاما قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني ، وإذا شرب شرابا قال : الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني ، وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني ، وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه .
233 - حدثنا محمد بن مقاتل ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا أبو حيان التيمي ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم [19/27] فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه ، فنهس منها نهسة ، ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون مم ذاك ؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم ، والكرب ما لا يطيقون ، ولا يحتملون ، فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم ، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ، فيقول بعض الناس لبعض : عليكم بآدم فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له : أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى إلى ما قد بلغنا ، فيقول آدم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة ، فعصيته ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح ، فيأتون نوحا ، فيقولون : يا نوح ، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وقد سماك الله عبدا شكورا ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فيقول : إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم ، فيأتون إبراهيم ، فيقولون : يا إبراهيم ، أنت نبي الله ، وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ، فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى ، فيأتون موسى فيقولون : يا موسى ، أنت رسول الله ، فضلك الله برسالته ، وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى ، فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى ، أنت رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، وكلمت الناس في المهد صبيا ، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فيقول عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون : يا محمد ، أنت رسول الله ، وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فأنطلق ، فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل ، ثم يفتح الله علي من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل تعطه ، واشفع تشفع ، فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد ، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن أبواب [19/28] الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير ، أو كما بين مكة وبصرى .

مطابقته للترجمة في قوله : " عَبْدًا شَكُورًا " ، ومحمد بن مقاتل المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وأبو حيان بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الياء آخر الحروف واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي تيم الرباب الكوفي ، وأبو زرعة هو هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي .
والحديث مضى مختصرا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام ، عن إسحاق بن نصر ، عن محمد بن عبيد ، عن أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولنتكلم فيما لم يذكر .
قوله : "فنهس" من النهس ، وهو أخذ اللحم بأطراف الأسنان ، والنهش بالمعجمة الأخذ بجميعها ، قوله : "مم ذلك" ، ويروى : مم ذاك ، قوله : "يسمعهم" من الإسماع ، قوله : "وينفذهم" بضم الياء أي يحيط بهم بصر الناظر لا يخفى عليه شيء لاستواء الأرض ، وعدم الحجاب ، قوله : "ولن يغضب" ، ويروى : "ولا يغضب" ، قوله : "وإنه نهاني" ، ويروي : "وإنه قد نهاني" ، قوله : "نفسي نفسي نفسي" ثلاث مرات ، قوله : "فذكرهن أبو حيان" أي فذكر الثلاث الكذبات أبو حيان الراوي المذكور ، وهي قوله : "إني سقيم" ، و"بل فعله كبيرهم" ، و"إنها أختي" في حق سارة انتهى ، قوله : "لم أومر" على صيغة المجهول ، قوله : "تشفع" على صيغة المجهول من التشفع ، وهو قبول الشفاعة ، قوله : "أدخل" أمر من الإدخال ، قوله : "وحمير" بكسر الحاء المهملة ، وسكون الميم ، وفتح الياء آخر الحروف هو باليمن ، وبصرى بضم الباء مدينة بالشام .