سورة الكهف .

أي هذا في بيان بعض تفسير سورة الكهف ، ذكر ابن مردويه أن ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم قالا : إنها مكية ، وعن القرطبي ، عن ابن عباس مكية إلا قوله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ فإنها مدنية ، وفي مقامات التنزيل : فيها ثلاث آيات مدنيات ، قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ وقوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وهي ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا ، وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة ، ومائة وعشر آيات .
بسم الله الرحمن الرحيم .

ثبتت البسملة للأكثرين إلا لأبي ذر ، فإنها لم تثبت .
وقال مجاهد : تقرضهم تتركهم .

أشار به إلى قوله : وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وفسر مجاهد " تَقْرِضُهُمْ " بقوله : "تتركهم" هذا التعليق رواه الحنظلي ، عن حجاج بن حمزة ، حدثنا شبابة ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، فذكره ، وعن ابن عباس : " تَقْرِضُهُمْ " تدعهم ، وعن مقاتل : تتجاوزهم ، أصل القرض القطع .
وكان له ثمر ، ذهب وفضة .

أشار به إلى قوله تعالى : وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ الآية ، وفسر الثمر بضم الثاء بالذهب والفضة ، وهذا من تتمة قول مجاهد ، ورواه ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عنه ، وأخرج الفراء من وجه آخر عن مجاهد قال : ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال ، وما كان بالفتح فهو النبات .
وقال غيره : جماعة الثمر .

قال بعضهم : كأنه عنى به قتادة ، قلت : الذي قاله صاحب التلويح : جماعة هو الصواب ، قوله : "جماعة" أي جمعه أي جمع الثمر بالفتح ، "الثمر" بضمتين ، وقيل : إن الثمرة تجمع على ثمار والثمار تجمع على ثمر ، فيكون الثمر جمع الجمع .
باخع : مهلك .

أشار به إلى قوله عز وجل : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ الآية ، وفسر "باخع" بقوله : "مهلك" ، وبه فسر أبو عبيدة .
أسفا : ندما .

أشار به إلى قوله تعالى : إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا وفسر " أَسَفًا " بقوله : "ندما" ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وعن قتادة : أَسَفًا حزنا ، وأراد بالحديث القرآن .
الكهف الفتح في الجبل .

أشار به إلى قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ وفسر "الكهف" بقوله : "الفتح في الجبل" ، ويقال : الكهف الغار في الجبل .
والرقيم : الكتاب ، مرقوم : مكتوب ، من الرقم .

اختلف المفسرون في الرقيم فقيل : هو الطاق في الجبل ، وعن ابن عباس : هو واد بين أيلة وعسفان ، وأيلة دون فلسطين ، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف ، وقال كعب : هو قريتهم ، فعلى هذا التأويل من رقمة الوادي وهو موضع الماء منه ، وعن سعيد بن جبير : الرقيم لوح من حجارة ، وقيل : من رصاص كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم ، ثم وضعوه على باب الكهف ، فعلى هذا الرقيم بمعنى المرقوم ، أي المكتوب ، والرقم الخط والعلامة ، والرقم الكتابة .
ربطنا على قلوبهم : ألهمناهم صبرا .

أشار به إلى قوله تعالى : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا وفسر ربطنا بقوله : "ألهمناهم صبرا" ، وفي التفسير : شددنا على قلوبهم بالصبر ، وألهمناهم ذلك ، وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش .
[19/37] لولا أن ربطنا على قلبها .

هذا في تفسير سورة القصص ، وهو قوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ذكره هنا استطرادا لأنه من مادة ربطنا على قلوبهم ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : لولا أن ربطنا على قلبها بالإيمان .
شططا إفراطا .

أشار به إلى قوله تعالى : لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا وفسر " شَطَطًا " بقوله : "إفراطا" ، وعن ابن عباس ، ومقاتل : جورا ، وعن قتادة : كذبا ، وأصل الشطط مجاوزة القدر ، والإفراط .
الوصيد : الفناء جمعه وصائد ، ووصد ، ويقال : الوصيد الباب ، مؤصدة مطبقة ، آصد الباب ، وأوصد .

أشار به إلى قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وفسره بالفناء بكسر الفاء ، وهو سعة أمام البيوت ، وقيل : ما امتد من جوانبها ، قوله : "ويقال : الوصيد الباب" ، وروي كذلك عن ابن عباس ، وقاله السدي أيضا ، وعن عطاء : الوصيد عتبة الباب ، قوله : "مؤصدة مطبقة" ذكره استطرادا ، وهو في قوله تعالى : إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ يعني إن النار عليهم أي على الكافرين مؤصدة أي مطبقة ، قاله الكلبي ، واشتقاقه من آصد يوصد أشار إليه بقوله آصد الباب بمد الهمزة أي أطبقه ، وكذلك أوصد .
بعثناهم أحييناهم .

أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا وإلى قوله تعالى : أيضا وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا الآية ، وفي التفسير قوله : " ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ " يعني من نومهم ، وذلك حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الكهف ، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف فقال المسلمون الأولون : مكثوا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين ، وقال المسلمون الآخرون : بل مكثوا كذا وكذا ، وقال الآخرون : الله أعلم بما لبثوا ، فذلك قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ قوله " أَحْصَى " أي أحفظ في العد ، قوله : " لِمَا لَبِثُوا " أي لما مكثوا في كهفهم نياما ، قوله : " أَمَدًا " أي غاية ، وعن مجاهد : عددا ، " وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ " يعني كما أمتناهم في الكهف ومنعناهم من الوصول إليهم وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان ، وثيابهم من العفن ، كذلك بعثناهم من النومة التي تشبه الموت .
أزكى : أكثر ، ويقال : أحل ، ويقال : أكثر ريعا ، قال ابن عباس : أكلها .

أشار به إلى قوله تعالى : فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا وفسر " أَزْكَى " بقوله : "أكثر" ، وكذا فسره عكرمة ، وأصله من الزكاة ، وهي الزيادة والنماء ، قوله : "ويقال : أحل" أي أحل ذبيحة ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير لأن عامتهم كانوا مجوسا ، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم ، قوله : "ويقال : أكثر ريعا" أي معنى "أزكى" أكثر ريعا ، والريع الزيادة والنماء على الأصل ، قاله ابن الأثير ، قوله : "وقال ابن عباس : أكلها" ، أي أزكى أكلها ، أي أطيب أكلها ، والمعاني المذكورة متقاربة .
ولم تظلم : لم تنقص .

أشار به إلى قوله تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وفسر قوله : " لَمْ يُؤْمِنُوا " بقوله : "لم تنقص" ، وهذا من تفسير ابن عباس ، رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس .
وقال سعيد ، عن ابن عباس : الرقيم اللوح من رصاص كتب عاملهم أسماءهم ثم طرحه في خزانته .

لا يوجد هذا في كثير من النسخ ، ومع هذا لو كان ذكر عند قوله : والرقيم الكتاب مرقوم مكتوب من الرقم ، لكان أوجه وأقرب ، وسعيد هو ابن جبير ، وروى هذا التعليق ابن المنذر عن علي ، عن أبي عبيد ، حدثنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد ، عن ابن عباس بلفظ : إن الفتية طلبوا فلم يجدوهم ، فرفع ذلك إلى الملك ، فقال : ليكونن لهؤلاء شأن ، فدعى بلوح من رصاص ، فكتب أسماءهم فيه وطرحه في خزانته ، قال : فالرقيم هو اللوح الذي كتبوا فيه .
[19/38] فضرب الله على آذانهم فناموا

هذه إشارة إلى قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا هذا من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله ، ومعناه : أنمناهم وسلطنا عليهم النوم كما يقال : ضرب الله فلانا بالفالج أي ابتلاه به ، وأرسله عليه ، وقيل : معناه حجبناهم عن السمع وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم ، وهذا وصف الأموات والنيام .
وقال غيره : وألت تئل تنجو ، وقال مجاهد : موئلا محرزا .

أي وقال غير ابن عباس في قوله : بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا أراد أن لفظ " مَوْئِلا " مشتق من "وألت تئل" من باب فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل ، ومعنى "تئل" تنجو ، وقال الجوهري : وأل إليه يئل وألا ووؤلا على فعول أي لجأ ، والموئل الملجأ ، قوله : "وقال مجاهد : موئلا محرزا" يعني معناه محرزا ، وعن قتادة : معناه ملجأ ، ورجح ابن قتيبة هذا المعنى .
لا يستطيعون سمعا لا يعقلون .

أشار به إلى قوله تعالى : الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا وفسر قوله : " لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " بقوله : "لا يعقلون" ، وفي التفسير : وصف الله الكافرين بقوله : الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ أي غشاء وغفلة ، " عَنْ ذِكْرِي " أي عن الإيمان والقرآن ، " لا يَسْتَطِيعُونَ " أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عز وجل ويتدبرونه ويؤمنون به لغلبة الشقاء عليهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .