[2/360] 41 - باب
هل يقال : مسجد بني فلان


ابتدأ البخاري - رحمه الله - من هنا في ذكر المساجد وأحكامها ، فأول ما ذكره من ذلك : أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل ؛ لعمارتهم إياها ، أو مجاورتهم لها .
وقد كره ذَلِكَ بعض المتقدمين ، وتعلق بقوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
والصحيح : أن الآية لم يرد بها ذلك ، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك بالله في المساجد في عبادته غيره ، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم .
وقيل : إن المراد بالمساجد الأرض كلها ؛ فإنها لهذه الأمة مساجد وهي كلها لله ، فنهى الله أن يسجد عليها لغيره .
وقيل : إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها ، وهي لله ؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها ، فمن شكره على هذه النعمة أن لا يسجد بها لغيره .
وقد قيل : إن قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا يدل - أيضا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص .
وأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة : أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها ، فيقال : هذه المساجد للطائفة الفلانية ، وهذه للطائفة الأخرى ، فإنها مشتركة بين المسلمين عموما .
وذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين .
[2/361] وأما إضافة المسجد إلى ما يعرفه به فليس بداخل في ذلك ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضيف مسجده إلى نفسه ، فيقول : " مسجدي هذا " ، ويضيف مسجد قباء إليه ، ويضيف مسجد بيت المقدس إلى إيلياء ، وكل هذه إضافات للمساجد إلى غير الله لتعريف أسمائها ، وهذا غير داخل في النهي . والله أعلم .
قال البخاري - رحمه الله - :
420 – ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء ، وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها


وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه : أن فيه إضافة المسجد إلى بني زريق ، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعا ، إلا أن تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة ، ولم يشتهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين شيء إلا وهو غير ممتنع ؛ لأنه لو كان محظورا لما أقر عليه ، خصوصا الأسماء ؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين ، ولم يغير هذا الاسم للمسجد ، فدل على جوازه .
ولقائل أن يقول : يجوز أن اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية ، فلا يبقى في الحديث دلالة ، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء : دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد قالوا : إنما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي صلى الله عليه وسلم بزمن .
وأحسن من هذا : الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه " - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر - ؛ فإن [2/362] هذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بإضافة المسجد إلى نفسه ، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية ، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها . والله أعلم .
وسائر ما يتعلق بالحديث من ألفاظه المختلفة وتفسير غريبها ، وما فيه من أحكام المسابقة ليس هذا موضعها ، وله موضع آخر يأتي فيه - إن شاء الله تعالى .