[2/363]
42 - باب
القسمة وتعليق القنو في المسجد
قال أبو عَبْد الله : القنو : العذق . والاثنان : قنوان . والجماعة : قنوان ، مثل : صنو وصنوان


المقصود بهذا الباب : أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها .
وقد ذكر القنو في تبويبه وفسره ولم يخرج حديثه .
وحديثه قد خرجه الترمذي من طريق السدي ، عن أبي مالك ، عن البراء ، في قوله تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال : نزلت فينا معشر الأنصار ، كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته ، وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين ، فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو ، فضربه بعصاه ، فسقط من البسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه ، فأنزل الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ .
وخرجه ابن ماجه ، إلا أن عنده : عن السدي ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء .
وحسنه الترمذي وغربه ، وفي بعض نسخه : صحيح .
[2/364] وخرجه الحاكم ، وقال : غريب ، صحيح على شرط مسلم .
يشير إلى أنه خرج للسدي ، إلا أن السدي كان ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة في التفسير للحديث الواحد .

وخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر للمسجد من كل حائط بقناء .
ومن حديث جابر ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جداد عشرة أوسق من التمر بعذق يعلق في المسجد للمساكين .
ومن حديث عوف بن مالك ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عصى وأقناء معلقة في المسجد ، قنو منها حشف ، فطعن بالعصى في ذلك القنو ، ثم قال : " لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيب منها ، إن صاحب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة " .
وقد فسر البخاري القنو ، فقال : هو العذق .
يعني : عذق النخلة الذي يكون فيه الرطب ، وهو واحد ، وتثنيته : قنوان - بكسر النون ، وجمعه - قنوان - بالتنوين ؛ قَالَ تعالى : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
وشبهه بصنو وصنوان ، فالصنو : الواحد مِمَّا لَهُ نظير يخرج مَعَهُ من أصله من النخل ، وتثنيته : صنوان ، وجمعه : صنوان . قَالَ تعالى : وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ
[2/365] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " عم الرجل صنو أبيه " .
ومما ينبغي إدخاله في هذا الباب : ما خرجه البخاري في " الزكاة " من رواية معن بن يزيد السلمي ، قال : كان أبي أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد ، فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : والله ، ما إياك أردت ، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن " .
ويتصل بهذا : التصدق في المسجد على السائل ، وهو جائز ، وقد كان الإمام أحمد يفعله ، ونص على جوازه ، وإن كان السؤال في المسجد مكروها .
وقال أبو داود في " سننه " : " باب : السؤال في المسجد " ، ثم خرج من طريق مبارك بن فضالة ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفيكم من أطعم اليوم مسكينا ؟ " قال أبو بكر : دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل ، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها فدفعتها إليه .
ومنع منه أصحاب أبي حنيفة ، وغلظوا فيه حتى قال خلف بن أيوب منهم : لو كنت قاضيا لم أجز شهادة من تصدق على سائل في المسجد .
ومنهم من رخص فيه إذا كان السائل مضطرا ، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر .
ولأصحابنا وجه : يكره السؤال والتصدق في المساجد مطلقا .
وفي " صحيح مسلم " عن جرير البجلي ، أن قوما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [2/366] فيهم - أي : الحاجة - فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، ثم خطب فحث على الصدقة ، فجاء رجل بِصرّة من فضة كادت كفه تعجز عنها ، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب .
وفي " المسند " و" سنن " أبي داود والنسائي ، عن أبي سعيد ، أن رجلا دخل المسجد في هيئة رثة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، فألقى الناس ثيابا - وذكر الحديث .
خرج البخاري في هذا الباب حديثا واحدا ، علقه هاهنا وفي " أبواب : قسم الفيء " من أواخر " كتاب : السير " ، وعلق بعضه في " باب : فكاك الأسير " .
فقال هاهنا :
421 – وقال إبراهيم - يعني : ابن طهمان - : عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين ، فقال : " انثروه في المسجد " - وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ، ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ، إذ جاءه العباس ، فقال : يا رسول الله ، أعطني ؛ فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ " ، فحثا في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله ، مر بعضهم يرفعه إلي . قال : " لا " . قال : فارفعه أنت علي . قال : " لا " . قال : فنثر منه ، ثم ذهب يقله . فقال : يا رسول الله ، مر بعضهم يرفعه علي . قال : " لا " . قال : فارفعه أنت علي . قال : " لا " . فنثر منه ، ثم احتمله ، فألقاه على كاهله ، ثم انطلق ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا ؛ عجبا من حرصه . فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم


[2/367] هذا المال كان من جزية أهل البحرين ، وهم مجوس هجر ، وكان قد قدم به أبو عبيدة بن الجراح ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر من حديث عمرو بن عوف الأنصاري .
وفي هذا الحديث : دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بيت مال يضع فيه أموال الفيء ، إنما كان يضعه في المسجد ويقسمه من يومه ولا يحبسه .
وفيه : دليل على أن مال الفيء لا يخمس ؛ فإنه لم يذكر فيه أنه أخرج خمسه ، وإنما ذكر أنه ما كان يرى أحدا إلا أعطاه .
وفيه : دليل على أن مال الفيء مما يعطى منه الغني والفقير ؛ لأن العباس كان من أغنى قريش وأكثرهم مالا ، ولكنه ادعى المغرم وقد عرف سببه ، وهو مفاداة نفسه ، ومفاداة عقيل ابن عمه ، وكانا وقعا في أسارى بدر ، ففدى العباس نفسه وعقيلا .
قيل : إنه فدى بثمانين أوقية ذهب . وقيل : بألف دينار .
وفيه : بيان احتقار النبي صلى الله عليه وسلم للدنيا وإن كثرت ؛ فإنه لما خرج إلى الصلاة ومر بالمال لم يلتفت إليه .
وقد روى حميد بن هلال ، أن ذلك المال كان بعثه العلاء بن الحضرمي من البحرين ، وكان ثمانين ألفا .
وفيه : التعجب من حرص الحريص على المال والمستكثر منه .
ويصدق هذا : قوله صلى الله عليه وسلم : " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما [2/368] ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " .
وكاهل الإنسان : ما بين كتفيه .
وقد كان العباس رضي الله عنه عظيما جسيما شديد القوة ، فالظاهر أنه حمل مالا كثيرا ، ولم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل على جواز قسمة الفيء بين أهله على غير التسوية .
وفي حديث حميد بن هلال ، قال : لم يكن يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان إلا قبضا .
وفيه : جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه ، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب .