1 - بَاب حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
4800 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : " إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا ، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ، فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ "


قَوْلُهُ : بَابُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ .
[8/399] قَوْلُهُ : ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ) فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا " إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا ، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ ، فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهُ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا ؟ قَالَ : الْحَقَّ ، فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ " .
قَوْلُهُ : ( ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا ) بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْخُضُوعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى خَاضِعِينَ .
قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ ) أَيِ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ ( سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ) هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ : " صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ " وَهُوَ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ " إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ يَسْمَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيَفْزَعُونَ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ . وَقَرَأَ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَةَ " وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ، وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ مَوْقُوفًا ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّلْصَلَةُ صَوْتُ الْحَدِيدِ إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ ، وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَالَّذِي فِي بَدْءِ الْوَحْيِ هَذَا وَالَّذِي هُنَا جَرُّ السِّلْسِلَةِ مِنَ الْحَدِيدِ إِلَى الصَّفْوَانِ الَّذِي هُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ يَكُونُ الصَّوْتُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا سَوَاءً .
قَوْلُهُ : ( عَلَى صَفْوَانٍ ) زَادَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " قَالَ غَيْرُهُ : - يَعْنِي غَيْرَ سُفْيَانَ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ " فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ " فَلَا يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا صُعِقُوا " وَعِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُولُ مَاتَ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ سَمَاءَ الدُّنْيَا ، ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ " الْحَدِيثَ . وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ .
قَوْلُهُ : ( وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ ) فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ " وَمُسْتَرِقٌ " بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَصَفَهُ سُفْيَانُ ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْني أَصَابِعِهِ ) أَيْ فَرَّقَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ " وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ " كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ " يَعْنِي يُلْقِيهَا ، زَادَ عَلِيٌّ ، عَنْ سُفْيَانَ " حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَيُلْقَى " .
قَوْلُهُ : ( عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ ) فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ " عَلَى لِسَانِ الْآخَرِ " بَدَلَ السَّاحِرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ " السَّاحِرِ وَالْكَاهِنِ " وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ .
قَوْلُهُ : ( فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ إِلَخْ ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَقْتَضِي أَنَّ [8/400] الَّذِي يَسْلَمُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ " .
قَوْلُهُ : ( فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ " فَيَقُولُونَ : أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا . الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ " فَيَقُولُ يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَتُخْبِرُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ " وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " قُلْتُ لِسُفْيَانَ : إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ سُفْيَانُ : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا " وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ أَدْهَشَ الْفَزَعُ عَنْهُمْ ، وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا حَلَّ فِيهَا " فَقَالَ سُفْيَانُ : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا . قَالَ سُفْيَانُ : وَهِيَ قِرَاءَتُنَا " قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً ؟ فَالْجَوَابُ لَعَلَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ السَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا . قُلْتُ : هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ احْتِمَالٌ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى ، وَذَلِكَ مَحْمَلُ قَوْلِ سُفْيَانَ : " لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا " عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَةَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا ، فَالظَّنُّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ بِالْأَخْذِ مِنَ الصُّحُفِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ . وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ : " وَهِيَ قِرَاءَتُنَا " فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ .