|
( سورة المؤمن )
أي هذا في تفسير بعض سورة المؤمن ، وفي بعض النسخ المؤمن بغير لفظ سورة ، وفي بعضها سورة المؤمن حم . ( بسم الله الرحمن الرحيم )
لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر ، وهي مكية بلا خلاف ، وقال السخاوي : نزلت بعد الزمر وقبل حم السجدة ، وبعد السجدة الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف ، وهي أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا ، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة ، وخمس وثمانون آية . ( قال مجاهد : حم مجازها مجاز أوائل السور ) .
قوله : " حم " في محل الابتداء ، ومجازها مبتدأ ثان ، وقوله : " مجاز أوائل السور " خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ومجازها بالجيم والزاي أي طريقها ، أي حكمها حكم سائر الحروف المقطعة التي في أوائل السور للتنبيه على أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف ، وقيل : لقرع العصا عليهم ، وعن عكرمة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حم اسم من أسماء الله تعالى ، وهي مفتاح خزائن ربك - جل جلاله - ، وعن ابن عباس هو اسم الله الأعظم ، وعنه قسم أقسم الله به ، وعن قتادة : اسم من أسماء القرآن ، وعن الشعبي شعار السورة ، وعن عطاء الخراساني الحاء افتتاح أسماء الله تعالى : حليم ، وحميد ، وحي ، وحنان ، وحكيم ، وحفيظ ، وحبيب ، والميم افتتاح اسمه : مالك ، ومجيد ، ومنان . وعن الضحاك والكسائي معناه : قضى ما هو كائن ، كأنهما أرادا الإشارة إلى حم بضم الحاء وتشديد الميم . ويقال : بل هو اسم لقول شريح ابن أبي أوفى العبسي :
| يذكرني حاميم والرمح شاجر | | فهلا تلا حاميم قبل التقدم | . القائلون بأن لفظ حم اسم الذين ذكرناهم الآن ، واستدل على ذلك بقول الشاعر المذكور ، حيث وقع لفظ حم في الموضعين منصوبا على المفعولية ، وكذا قرأ عيسى بن عمر أعني بفتح الميم ، وقيل : يجوز أن يكون لالتقاء الساكنين ، قلت : القاعدة أن الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، ويجوز الفتح والكسر في الحاء ، وهما قراءتان ، قوله : " ويقال " في رواية أبي ذر : قال البخاري : ويقال قوله : شريح ابن أبي أوفى هكذا وقع ابن أبي أوفى في رواية القابسي وليس كذلك بل هو شريح بن أوفى العبسي ، وكان مع علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يوم الجمل ، وكان شعار أصحاب علي - رضي الله تعالى عنه - يومئذ : حم ، فلما نهد شريح لمحمد بن طلحة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه قال : حم ، فقال شريح : يذكرني حاميم الفاعل فيه محمد السجاد ، وقيل : لما طعنه شريح قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، فهو معنى قوله : " يذكرني حاميم " ، قوله : " والرمح شاجر " جملة اسمية وقعت حالا من شجر الأمر يشجر شجورا ، إذا اختلط ، واشتجر القوم وتشاجروا إذا تنازعوا واختلفوا ، والمعنى هنا : والرمح مشتبك مختلط ، قوله : " فهلا " حرف تحضيض مختص بالجمل الفعلية الخبرية ، والمعنى : هلا كان هذا قبل تشاجر الرماح عند قيام الحرب ، قوله : " قبل التقدم " أي إلى الحرب ، وأول هذا البيت على ما ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري في ( مأدبة الأدباء ) :
| وأشعث قوام بآيات ربه | | قليل الأذى فيما ترى العين مسلم | | هتكت بصدر الرمح جيب قميصه | | فخر صريعا لليدين وللفم | | على غير شيء غير أن ليس تابعا | | عليا ومن لا يتبع الحق يظلم |
يذكرني حميم ، وذكر عمر بن شبة بإسناده عن محمد بن إسحاق أن مالكا الأشتر النخعي قتل محمد بن طلحة وقال في ذلك شعرا ، وهو [19/148] ، الأبيات ) . وذكر أبو محنف لوط في كتابه ( حرب الجمل ) الذي قتل محمدا مدلج بن كعب ، رجل من بني سعد بن بكر ، وفي كتاب الزبير ابن أبي بكر : كان محمد أمرته عائشة - رضي الله تعالى عنها - بأن يكف يده ، فكان كلما حمل عليه رجل قال : نشدتك بحاميم ، حتى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة يقال له : حديد ، فنشده بحاميم فلم ينته وقتله ، وقيل : قتله كعب بن مدلج من بني منقذ بن طريف ، ويقال : بل قتله عصام بن مقشعر النصري ، وعليه كثرة الحديث ، وقال المرزباني : هو الثبت ، وهو يخدش في إسناد البخاري ؛ لأن هذين الإمامين إليهما يرجع في هذا الباب ، قلت : الزمخشري العلامة ذكر هذا البيت في أول سورة البقرة ، ونسبه إلى شريح بن أوفى المذكور ، وفي ( الحماسة ) البحترية قال عدي بن حاتم :
| من مبلغ أفناء مذحج إنني | | ثأرت بحالي ثم لم أتأثم | | تركت أبا بكر ينوء بصدره | | بصفين مخضوب الكعوب من الدم | | يذكرني ثأري غداة لقيته | | فأجررته رمحي فخر على الفم | | يذكرني ياسين حين طعنته | | فهلا تلا ياسين قبل التقدم |
( الطول التفضل ) .
أشار به إلى قوله تعالى : شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ وفسره بالتفضل ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وزاد : تقول العرب للرجل إنه لذو طول على قومه أي ذو فضل عليهم ، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ذي الطول ، قال : ذي السعة والغنى ، ومن طريق عكرمة ذي المنن ، ومن طريق قتادة قال : ذي النعماء . ( داخرين خاضعين ) .
أشار به إلى قوله : سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وفسره بقوله : خاضعين ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وعن السدي صاغرين . ( وقال مجاهد : إلى النجاة إلى الإيمان ) .
أي قال مجاهد في قوله تعالى : مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ وفسر قوله : إِلَى النَّجَاةِ بقوله : إلى الإيمان . ( ليس له دعوة يعني للوثن ) .
أشار به إلى قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وقال : ليس للوثن دعوة ، هذا من تتمة كلام الرجل الذي آمن بموسى - عليه السلام - وهو الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله : وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ وكان من آل فرعون يكتم إيمانه منه ومن قومه ، وعن السدي ومقاتل : كان ابن عم فرعون ، وعن ابن عباس أن اسمه حزقيل ، وعن وهب بن منبه خزيبال ، وعن إسحاق خزبيل ، وقيل : حبيب . ( يسجرون توقد بهم النار ) .
أشار به إلى قوله تعالى - عز وجل - : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وفسره بقوله : توقد بهم النار ، وعن مجاهد يصيرون وقودا في النار . ( تمرحون : تبطرون ) .
أشار به إلى قوله تعالى : ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ وفسره بقوله : تبطرون ، من البطر بالباء الموحدة والطاء المهملة . ( وكان العلاء بن زياد يذكر النار ، فقال رجل : لم تقنط الناس ؟ قال : وأنا أقدر أن أقنط الناس ، والله - عز وجل - يقول : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، ويقول : وأن المسرفين هم أصحاب النار ، ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساويء أعمالكم ، وإنما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - مبشرا بالجنة لمن أطاعه ومنذرا بالنار من عصاه ) .
[19/149] العلاء بن زياد ، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ، العدوي ، البصري ، التابعي ، الزاهد ، قليل الحديث ، وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع ، مات قديما سنة أربع وتسعين ، قوله : " يذكر النار " قال بعضهم : هو بتشديد الكاف ، قلت : ليس بصحيح ، بل هو بالتخفيف على ما لا يخفى ، قوله : " لم تقنط الناس " من التقنيط ، لا من قنط يقنط قنوطا وهو أشد اليأس من الشيء ، وأصل لم لما ، فحذفت الألف وهي استفهام ، قوله : " أن تبشروا " على صيغة المجهول من التبشير ، قوله : " ومنذرا " ويروى ينذر ، قوله : " من عصاه " ، ويروى : لمن عصاه . 310 - ( حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي قال : حدثني يحيى ابن أبي كثير قال : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال : حدثني عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة ابن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر ، فأخذ بمنكبه ، ودفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) .
الوليد بن مسلم الدمشقي يروي عن عبد الرحمن الأوزاعي ، والحديث مضى في آخر مناقب أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يزيد الكوفي عن الوليد عن الأوزاعي إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك .
|
|
|