[2/406] الحديث الثاني :
428 – حدثنا مسدد : ثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته ، وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ، ويصلي في مرابض الغنم ، وإنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ بني النجار ، فقال : " يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا " . قالوا : لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل . قال أنس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسويت ، ثم بنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، وجعلوا عضادتيه بالحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول :
اللهم لا خير إلا خير الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة


أعلى المدينة : هو العوالي والعالية ، وهو قباء وما حوله ، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف .
وقيل : إن كل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة يسمى العالية ، وما كان دون ذلك يسمى السافلة .
[2/407] وبنو النجار كانوا أخوال النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكرنا سبب ذلك في " كتاب : الإيمان " في " باب : الصلاة من الإيمان " .
وكان مقصود النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة ، وأن يتخذ بها مسكنا يسكنه .
وفي إردافه لأبي بكر في ذلك اليوم دليل على شرف أبي بكر واختصاصه به دون سائر أصحابه .
وقوله : " وملأ بني النجار حوله " - يريد : رجالهم وشجعانهم وأشرافهم .
وقوله : " حتى ألقى بفناء أبي أيوب " - أي : بفناء داره ، و" ألقى " بالقاف ، ومعناه : أنه نزل به ، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله وما معه .
وقد ذكر شرحبيل بن سعد وأهل السير : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بدار من دور الأنصار كبني سالم وبني الحارث بن الخزرج وبني عدي أخذوا بخطام راحلته ، وعرضوا عليه النزول بحيهم ، وهو يقول : " خلوا سبيلها ؛ فإنها مأمورة " ، حتى بركت بفناء دار أبي أيوب ، عند مسجده الذي بناه .
وقول أنس : " وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم " ، موافق لقوله صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره " . ولقوله لما سئل : أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : " المسجد الحرام " . قيل له : ثم أي ؟ قال : " ثم مسجد بيت المقدس " . قيل : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " . ثم قال : " الأرض لك مسجد ، فأينما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإنه لك مسجد " .
[2/408] وقوله : فأرسل إلى بني النجار ، فقال : " ثامنوني بحائطكم " - يعني : بيعوني إياه بثمنه .
قال الخطابي : وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسوم .
فإنه طلب منهم أن يذكروا له الثمن ، ولم يقطع ثمنا من عنده .
والحائط : ما فيه شجر وعليه بنيان .
وقوله : " قالوا : والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله " يدل على أنهم لم يأخذوا له ثمنا ، وقد ذكر الزهري وغيره خلاف ذلك .
قال ابن سعد : أبنا الواقدي : حدثني معمر ، عن الزهري ، قال : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربدا لسهل وسهيل : غلامين يتيمين من الأنصار ، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلامين ، فساومهما بالمربد ؛ ليتخذه مسجدا . فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله . فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما .
قال الواقدي : وقال غير معمر ، عن الزهري : فابتاعه بعشرة دنانير . وقال معمر ، عن الزهري : وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك .
وهذا إن صح يدل على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم .
وحديث أنس أصح من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره ، عن الزهري مرسلة ، فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه فهي من أضعف المراسيل ، فكيف إذا تفرد بها الواقدي ؟

وقد روي عن الحسن ، أنهما وهباه للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله :
[2/409] قال المفضل الجندي في " فضائل المدينة " له : ثنا محمد بن يحيى : ثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الحسن ، قال : كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مربدا لغلامين من الأنصار ، يقال لهما : سهل وسهيل ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه ، فكلم فيه عمهما - وكانا في حجره - أن يبتاعه منهما ، فأخبرهما عمهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراده ، فقالا : نحن نعطيه إياه . فأعطياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبناه .
قال الحسن : فأدركت فيه أصول النخل غلابا - يعني : غلاظا - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع منها ، ويسند إليه ظهره ، ويصلي إليه .
ثم قال الواقدي - في روايته عن معمر ، عن الزهري - : وكان - يعني : ذلك المربد - جدارا مجدرا ، ليس عليه سقف ، وقبلته إلى بيت المقدس ، كان أسعد بن زرارة بناه ، فكان يصلي بأصحابه فيه ، ويجمع فيه بهم الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذي في الحديقة ، وبالغرقد الذي فيه أن يقطع ، وأمر باللبن فضرب ، وكان في المربد قبور جاهلية ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبشت ، وأمر بالعظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب ، وأسسوا المسجد ، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ، فهو مربع - ويقال : كان أقل من المائة - وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ، ثم بنوه باللبن ، وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ، وهو يقول :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة

[2/410] وجعل يقول :
هذا الحمال لا حمال خيبر
هذا أبر - ربنا - وأطهر

وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، وبابا يقال له : باب الرحمة ، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار بسطة وعمده الجذوع ، وسقفه جريدا ، فقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : " عريش كعريش موسى ، خشيبات وثمام ، الشأن أعجل من ذلك " .
وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن ، وسقفها بجذوع النخل والجريد ، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد ، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان . انتهى .
وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر .
وهذا يدل على أن بعض حجره تم بناؤه بعد ذلك ، وانتقل إليها .
وروى ابن سعد - أيضا - عن الواقدي : ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، قال : مات أسعد بن زرارة في شوال ، على رأس تسعة أشهر من الهجرة ، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبنى .
وهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة .
[2/411] وأما قول أنس : " فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل " .
لفظة : " خرب " رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة . ورويت : " حرث " بالحاء والثاء المثلثة .
قال الإسماعيلي : من قال : " حرث " . فهو محتمل ؛ لأن ما حرث ولم يزرع أو زرع فرفع زرعه ، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض .
يشير إلى أن ذلك يناسب قوله : " فأمر بالحرث فسويت " .
قال : ومن قال : " خرب " فهو صحيح ؛ فهو جمع خربة أو خربة - بضم الخاء - وهو العيب ، كالجحر والشق ونحوه .
قال : وأما " الخرب " فهو كقولك : مكان خرب - يعني : أنه يكون وصفا لمذكر .
قال : والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف ، فكأنه بالجمع أشبه .
وقال الخطابي : روي " خرب " - يعني : بكسر الخاء وبفتح الراء - قال الليث : هي لغة تميم خرب ، والواحد خربة .
قال : وسائر الناس يقولون : " خرب " - يعني : بفتح الخاء وكسر الراء - جمع خربة ، كما قيل : كلم جمع كلمة . ولعل الصواب " الخرب " مضمومة الخاء جمع خربة وهي الخروق التي في الأرض ، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة .
قال : ولعل الرواية : " الجرف " جمع الجرفة ، وهي جمع الجرف ، كما قيل : خرج وخرجة ، وترس وترسة .
[2/412] قال : وأبين منها - إن ساعدت الرواية - : " حدب " جمع حدبة ، لقوله : " فسويت " ، وإنما يسوى المكان المحدودب ، أو ما فيه خروق ، فأما الخرب فتبنى وتعمر . انتهى ما ذكره .
وفيه تكلف شديد ، وتلاعب بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة . والرواية التي رواها الحفاظ : " خرب " ، فإن كان مفردا ، فإنما أنث تسويته ؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه ، والظاهر أنها كانت متعددة ، وإن كان " خرب " ؛ - بالجمع - فتأنيثها واضح .
ومعنى تسوية الخرب : أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتسوى بالأرض ، وهذا أمر واضح ظاهر ، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسف .
وأما " النخل " فقد أخبر أنس أنه قطع ، وصف قبلة للمسجد ، وأما " قبور المشركين " فنبشت ، وذكر أنهم بدءوا بنبش القبور ، ثم بتسوية الخرب ، ثم بقطع النخل .
والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب : أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين ، فنبشت قبورهم ، وأخرجت عظامهم منها ، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة ، وجازت الصلاة فيها .
ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين ؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد ، فإنه إذا تطاول العهد ، ولم تعرف الحال ، خشي من ذلك الفتنة .
وقد يقال مع ذلك : إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدا [2/413] في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب ، وهي مما يكره الصلاة فيها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وفي الحديث : دليل على طهارة الأرض بالاستحالة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها ، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله ؛ للحاجة إليه .
ويدل عليه - أيضا - : أن الصحابة كانوا يخوضون الطين في الطرقات ولا يغسلون أرجلهم - كما تقدم عنهم - والنجاسات مشاهدة في الطرقات ، فلو لم تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك .
وهذا قول طائفة من العلماء من السلف ، كأبي قلابة وغيره ، ورجحه بعض أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه : أن الأرض النجسة إذا جفت فإنه يصلى عليها ، ولا يتيمم بها . ومذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم : أنها نجسة بكل حال .
وفي الحديث : دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها ، وأنه يجوز نبش عظامهم ، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك .
واختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال ، فرخص فيه كثير من العلماء . حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي . قال : وكرهه مالك ولم يحرمه ، وكان الناس يفعلون ذلك في أول الإسلام كثيرا .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقبر أبي رغال ، فأخبرهم أن معه غصنا من ذهب ، فنبشوه واستخرجوه منه .
ومن العلماء من كره ذلك ، منهم الأوزاعي ، وعلل بأنه يكره الدخول إلى مساكنهم ؛ خشية نزول العذاب ، فكيف بقبورهم ؟
[2/414] وكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة ؛ خشية أن يصادف قبر نبي أو صالح ، وخصوصا بأرض الشام كالأردن .
ونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على أرض الحرب فلا تنبش قبورهم .
وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثا لغير مصلحة ، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم .
وفي الحديث : دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم طلب شراء هذا المربد .
وهذه المسألة على قسمين :
أحدهما : أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله ، كأهل الحرب ، ومن دفن في مكان مغصوب ، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها ، وينقل المدفون فيها ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل عظام المشركين من المربد .
والثاني : أن يكون المقبور محترما لا يجوز نبشه ، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة .
وهل يصح في الباقي ؟ يخرج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة .
ولو اشترى أرضا ، فوجد في بعضها عظام موتى ، ولم يعلم : هل هي مقبرة أم لا ؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه : لا يصح البيع في محل الدفن ؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مسبلة ، وإما أن تكون ملكا للميت قد وصى بدفنه فيها ، فيكون أحق بها ، ولا ينقل إلى الورثة .
وهذا الذي قالوه هو الأغلب ، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض مغصوبة أو مغارة للدفن ، إلا أن هذا قليل أو نادر ، فلا يعول عليه . والله أعلم .
[2/415] والمنصوص عن أحمد : أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه ، ما لم يجعل مقبرة مسبلة .
وفي الحديث : دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه ، وقد نص على جوازه أحمد : إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه ، فلا بأس أن يقطعها .
وكره جماعة قطع الشجر الذي يثمر ، منهم : الحسن والأوزاعي وإسحاق ، وكره أحمد قطع السدر خاصة لحديث مرسل ورد فيه ، وقال : قل إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا .
ورخص في قطعه آخرون . والله أعلم .