[2/425] 51 - باب
من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد ،
فأراد به الله عز وجل
وقال الزهري : أخبرني أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي النار وأنا أصلي .
431 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس ، قال : انخسفت الشمس ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " أريت النار ، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع " .


حديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في " أبواب صلاة الكسوف " وخرج فيها - أيضا - معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - .
وأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل ، فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر عند الزوال ، ثم صعد المنبر فذكر الساعة ، ثم قال : " من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل " . وفي آخره : قال : " عرضت علي الجنة والنار - آنفا - في عرض هذا الحائط ، فلم أر كالخير والشر " .
وقد خرجه البخاري بتمامه في " باب : وقت الصلاة عند الزوال " ، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وخرج بعضه في " كتاب : العلم " فيما سبق .
[2/426] وخرجه - أيضا - بمعناه من حديث قتادة ، عن أنس في " كتاب : الفتن " .
وليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في الصلاة .
وخرج - أيضا - في " باب : رفع البصر إلى الإمام في الصلاة " من حديث فليح : ثنا هلال بن علي ، عن أنس ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رقي المنبر ، فأشار بيده قبل قبلة المسجد ، ثم قال : " لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر " - ثلاثا .
وخرج مسلم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته وخطبته بعد الصلاة ، وأنه قال فيها : " ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه ، لقد جيء بالنار ، وذلك حين رأيتموني تأخرت ؛ مخافة أن يصيبني من لفحها " - وذكر الحديث .
ومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى لله عز وجل ، وكان بين يديه شيء من جنس ما عبد من دون الله كنار وتنور وغير ذلك ، فإن صلاته صحيحة ، وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضا .
واستدل بعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ، وفي هذا الاستدلال نظر .
قال الإسماعيلي : ليس ما أراه الله من النار حتى أطلعها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم ، ولا حكم ما أري ليخبرهم بما رآه كحكم [2/427] من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته . انتهى .
فأشار إلى الفرق من وجوه :
منها : أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور ، فإنما كره أن يتعمد المصلي ذلك ، وعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك .
ومنها : أن المكروه استقبال نار الدنيا ؛ لأنها هي التي عبدت من دون الله عز وجل ، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار ، فليست كنار الدنيا .
ومنها : أن ما أري النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا .
ومن هنا قيل : إن جبريل لما شق قلب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله في طست من ذهب لم يجر على ذلك حكم استعمال أواني الذهب في الدنيا .
وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار ، منهم : ابن سيرين ، كره الصلاة إلى تنور ، وقال : هو بيت نار .
وقال سفيان : يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد .
وقال إسحاق : السراج لا بأس به ، والكانون أكرهه - : نقله عنه حرب .
وقال مهنا : سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد ؟ قال : أكرهه ، وأكره كل شيء ؛ حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف . وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء .
ونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد ، قال : إذا كان التنور في قبلة لا يصلى إليه ؛ كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور .
ووجه الكراهة : أن فيه تشبها بعُبّاد النار في الصورة الظاهرة ، فكره ذلك ، وإن كان المصلي يصلي لله ، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها [2/428] لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة ، وكما تكره الصلاة إلى صنم وإلى صورة مصورة .
قال أحمد في رواية الميموني : لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك .
وقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور .
وأما استثناء إسحاق من ذلك السراج ، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما خرجه من طريق أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حصير - وبين يديه مصباح - قال : فجاءت الفأرة ، فأخذت الفتيلة : فألقتها على الحصير ، وأحرقت منه قدر الدرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الفويسقة لتضرم على أهل البيت " .
وقد خرجه أبو داود ، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير ، ولا أن بين يديه مصباحا .
ولو وضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته ، ويزيلها عنه بحسب القدرة .
وفي " صحيح مسلم " عن أبي الدرداء قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم ، فسمعناه يقول : " أعوذ بالله منك " . ثم قال : " ألعنك بلعنة الله " - ثلاثا - وبسط يديه كأنه تناول شيئا ، فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله ، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ، ورأيناك بسطت يدك . قال : " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ؛ ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة . فلم يستأخر - ثلاث مرات - ثم أردت آخذه ، والله ؛ لو لا دعوة أخينا سليمان عليه السلام لأصبح موثقا يلعب [2/429] به ولدان أهل المدينة " .
وخرج الإمام أحمد من حديث سماك بن حرب ، سمع جابر بن سمرة يقول : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ، فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف ، فقال : " إن الشيطان كان يلقي علي شرر النار ؛ ليفتنني عن الصلاة ، فتناولته ، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط إلى سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة " .