باب قوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الآية

أي هذا باب في قوله عز وجل في مدح الأنصار ؛ فإنهم قاسموا المهاجرين ديارهم وأموالهم .
الخصاصة الفاقة

أشار به إلى قوله تعالى : وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وفسرها بالفاقة ، وهي الفقر والاحتياج ، وفي رواية أبي ذر : فاقة بدون الألف واللام ، وهذا قول مقاتل بن حيان .
المفلحون الفائزون بالخلود ، والفلاح البقاء

أشار به إلى قوله تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وفسر المفلحون بالفائزين بالخلود ، وبه فسر الفراء قوله : " والفلاح البقاء " ، يعني يأتي بمعنى البقاء ؛ قال الشاعر :
ولكن ليس للدنيا فلاح
أي بقاء ، وفي المغرب : الفلاح الفوز بالمطلوب ، ومدار التركيب على الشق والقطع .
حي على الفلاح عجل

مراده معنى الفلاح هنا ، ومعنى حي عجل ، أي عجل على الفوز بالمطلوب ، وقال بعضهم : حي على الفلاح ، أي عجل هو تفسير حي ، أي معنى حي على الفلاح : عجل .
قلت : ليس مراد البخاري ما ذكره ، وإنما مراده معنى ما ذكرنا ؛ لأنه في صدد تفسير الفلاح ، وليس في صدد تفسير معنى حي ، وتفسير حي وقع استطرادا ، وقال ابن التين : لم يذكره أحد من أهل اللغة ، إنما قالوا معناه هلم وأقبل . قلت : يعني لم يذكر أحد من أهل اللغة أن معناه عجل ، بل الذي ذكروه هلم وأقبل ، ولا يتوجه ما ذكره ؛ لأنه ليس في صدد تفسير حي كما ذكرناه ، وإنما وقع استطرادا ، وقال بعضهم : هو كما قال ، ولكن فيه إشعار بطلب الإعجال ، فالمعنى : أقبل مسرعا . قلت : الحال بالحال ؛ لأن اعتذاره عنه إنما يجدي أن لو كان هو في صدد تفسير حي كما ذكرنا .
وقال الحسن : حاجة حسدا

أي قال الحسن البصري في قوله تعالى : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وفسر حاجة بقوله : " حسدا " ، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد عن قتادة عن الحسن .
382 - حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا فضيل بن غزوان ، حدثنا أبو حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه ، فلم يجد عندهن شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يضيف هذا الليلة يرحمه الله ، فقام رجل من الأنصار ، فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله ، فقال لامرأته : ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا ، قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلت ، ثم غدا الرجل على [19/228] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة ، فأنزل الله عز وجل : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويعقوب بن إبراهيم بن كثير ضد القليل - الدورقي ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وأبو حازم سلمان الأشجعي .
والحديث قد مر في فضل الأنصار في باب وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فإنه أخرجه هناك عن مسدد ، عن عبد الله بن داود ، عن فضيل بن غزوان إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " أتى رجل " ذكر الواحدي أنه من أهل الصفة ، وفي الأوسط للطبراني أنه أبو هريرة . قوله : " الجهد " ، أي المشقة والجوع . قوله : " ألا رجل " كلمة ألا للتحضيض والحث على شيء يفعله الرجل . قوله : " يضيف " بضم الياء من الإضافة . قوله : " فقام رجل من الأنصار " قال الخطيب : هو أبو طلحة الأنصاري ، وقال ابن بشكوال : هو زيد بن سهل ، وأنكره النووي . وقيل عبد الله بن رواحة ، وقال المهدوي والنحاس : نزلت في أبي المتوكل وأن الضيف ثابت بن قيس . قولهما : " نزلت في أبي المتوكل " وهم فاحش ؛ لأن أبا المتوكل الناجي تابعي إجماعا . قوله : " هذا الليلة " هذا إشارة إلى الرجل في قوله : " أتى رجل " والليلة نصب على الظرف ، ويروى هذه الليلة ، فالإشارة فيه إلى الليلة . قوله : " يرحمه الله " ، وفي رواية الكشميهني يضيف هذا رحمة بالتنوين . قوله : " ضيف رسول الله " ، أي هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : " لا تدخريه شيئا " ، أي لا تمسكي عنه شيئا . قوله : " الصبية " بكسر الصاد جمع صبي . قوله : " العشاء " بفتح العين ، قوله : " فنوميهم " ، أي الصبية حتى لا يأكلوا شيئا ، وهذا يحمل على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل ، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع مضر ؛ فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا يجب تقديمه على الضيافة ، وقال الكرماني : لعل ذلك كان فاضلا عن ضرورتهم . قلت : فيه نظر ؛ لأنها صرحت بقولها : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، والأحسن أن يقال : إنها كانت علمت صبرهم عن عشائهم تلك الليلة ؛ لأن الإنسان قد يصبر عن الأكل ساعة لا يتضرر به . قوله : " ونطوي بطوننا الليلة " ، أي نجمعها ، فإذا جاع الرجل انطوى جلد بطنه .
قوله : " عجب الله أو ضحك " المراد من العجب والضحك ونحوهما في حق الله عز وجل لوازمها وغاياتها ؛ لأن التعجب حالة تحصل عند إدراك أمر غريب ، والضحك ظهور الأسنان عند أمر عجيب ، وكلاهما محالان على الله تعالى ، وقال الخطابي : إطلاق العجب لا يجوز على الله ، وإنما معناه الرضا ، وحقيقته أن ذلك الصنيع منهما حل من الرضا عند الله ، والقبول به ومضاعفة الثواب عليه محل العجب عندكم في الشيء التافه إذا رفع فوق قدره ، وأعطى به الأضعاف من قيمته قال : وقد يكون المراد بالعجب هنا أن الله تعالى يعجب ملائكته من صنيعهما ؛ لندور ما وقع منهما في العادة قال : وقال أبو عبد الله يعني البخاري : الضحك هنا الرحمة ، وتأويل الضحك بالرضا أقرب من تأويله بالرحمة ؛ لأن الضحك من الكرام يدل على الرضا ؛ فإنهم يوصفون بالبشر عند السؤال . انتهى . وليس في النسخ التي في أيدي الناس ما نسبه الخطابي إلى البخاري باللفظ المذكور . والله أعلم .