[2/440] 55 - باب
435 436 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، أن عائشة ، وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بِهَا كشفها عن وجهه ، فقال - وهو كذلك - : " لعنة الله على اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " - يحذر ما صنعوا .
437 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .


وقد خرج البخاري في موضع آخر من " كتابه " من حديث عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه : " لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " . قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكنه خشي - أو خُشي - أن يتخذ مسجدا .
وخرج الإمام أحمد من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
وروى مالك في " الموطأ " عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم ، لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على [2/441] قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني : حدثنا عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
خرجه من طريقه البزار .
وعمر هذا ، هو : ابن صهبان ، جاء منسوبا في بعض نسخ " مسند البزار " ، وظن ابن عبد البر أنه : عمر بن محمد العمري ، والظاهر أنه وهم .
وقد روي نحوه من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، بإسناد فيه نظر
.
قال ابن عَبْد البر : الوثن الصنم . يقول : لا تجعل قبري صنما يصلى إليه ، ويسجد نحوه ، ويعبد ، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلوا في قبور أنبيائهم ، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وأنه مما لا يرضاه ؛ خشية عليهم من امتثال طرقهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار ، وكان يخاف على أمته اتباعهم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم على جهة التعيير والتوبيخ : " لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل ، حتى إن أحدهم لو دخل حجر ضب لدخلتموه " . انتهى .
[2/442] ويؤيد ما ذكره : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من ذلك في مرض موته ، كما في حديث عائشة وابن عباس ، وسبق حديث جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل موته بخمس .
وفي " مسند الإمام أحمد " من حديث أبي عبيدة بن الجراح ، قال : آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال ذلك في مرض موته من حديث علي ، وأسامة بن زيد ، وكعب بن مالك وغيرهم .
وخرج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ، ولفظه : قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أدخل علي أصحابي " . فدخلوا عليه ، فكشف القناع ، ثم قال : " لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
وخرج حديث عائشة من رواية ابن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، وقال في آخر حديثه : " يحرم ذلك على أمته " .
وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى :
قال الشافعي - رحمه الله - : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده .
وقال صاحب " التنبيه " من أصحابه : أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إليه فحرام .
[2/443] قال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره .