[19/239] باب : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

أي هذا باب في قوله عز وجل : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ الآية ، وهي إلى قوله يُؤْفَكُونَ ساقها الأكثرون ، وفي رواية أبي ذر من قوله : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ إلى قوله : تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ الآية . قوله : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ أي المنافقين تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ لاستواء خلقها وحسن صورها وطول قامتها ، وعن ابن عباس : كان عبد الله بن أبي رجلا جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان وقوم من المنافقين في صفته وهم رؤساء المدينة ، كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فيستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ، فإذا قالوا سمع النبي صلى الله عليه وسلم لقولهم ، قال الله تعالى : وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام ، شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط ؛ لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع . وقيل : يجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان ، شبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة جدواهم . قوله : يَحْسَبُونَ أي من خبثهم وسوء ظنهم وقلة يقينهم كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم ، قال مقاتل : إن نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة ظنوا أنهم يرادون لما في قلوبهم من الرعب . قوله : " هُمُ الْعَدُوُّ " مبتدأ وخبر ، أي الكاملون في العداوة . قوله : " فَاحْذَرْهُمْ " ، أي فلا تأمنهم ولا تغتر بظاهرهم . قوله : " قَاتَلَهُمُ اللَّهُ " دعا عليهم باللعن والخزي . قوله : " أَنَّى يُؤْفَكُونَ " ، أي كيف يصرفون عن الحق تعجبا من جهلهم وضلالهم .
397 - حدثنا عمرو بن خالد ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا أبو إسحاق قال : سمعت زيد بن أرقم قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل ، قالوا : كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في : " إذا جاءك المنافقون " فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم ، فلووا رؤوسهم . وقوله : " خشب مسندة " قال : كانوا رجالا أجمل شيء

هذا أيضا طريق آخر في حديث زيد بن أرقم أخرجه عن عمرو بن خالد الجزري عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عمرو السبيعي . قوله : " شدة " ، أي من جهة قلة الزاد . قوله : " فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته " قال الكرماني : قال في الحديث المتقدم : فذكرت لعمي ، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم يعني بينهما تناف ، ثم أجاب أن الإخبار أعم من أن يكون بنفسه أو بالواسطة ، قلت : الإخبار هنا لا يدل على العموم مع قوله : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا الجواب عن هذا عن قريب . قوله : " فاجتهد يمينه " ، أي بذل وسعه في اليمين وبالغ فيها . قوله : " ما فعل " ، أي ما قال أطلق الفعل على القول لأن الفعل يعم الأفعال والأقوال . قوله : " كذب زيد رسول الله " بالتخفيف . قوله : " فلووا " بالتشديد ، أي حركوا وقرئ بالتخفيف أيضا . قوله : " خشب مسندة " تفسير لقوله تعجبك أجسامهم ، ووقع هذا في نفس الحديث وليس مدرجا ، وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن عمرو بن خالد شيخ البخاري فيه بهذه الزيادة " وخشب " بضمتين في قراءة الجمهور ، وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش بإسكان الشين . قوله : " قال كانوا رجالا أجمل شيء " ، أي قال الله تعالى : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ مع أنهم كانوا رجالا من أجمل الناس وأحسنهم ، وقد ذكرنا وجه الشبه فيه عن قريب .