|
وخرج البخاري : 39 - من حديث معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " .
وهذا الحديث تفرد به البخاري ، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري . ومعنى الحديث النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة ، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه " يعني أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة ، فمن شاد الدين غلبه وقطعه . وفي " مسند الإمام أحمد " عن محجن بن الأدرع قال : أقبلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي ، قال : " أتقوله صادقا " ؟ قلت : يا نبي الله ، هذا فلان ، وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة ! قال : " لا تسمعه فتهلكه - مرتين أو ثلاثا - إنكم أمة أريد بكم اليسر " . وفي رواية له قال : " إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره " . [1/137] وفي رواية له أيضا ، قال : " إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة " . وخرجه حميد بن زنجويه ، وزاد : " اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة " . وخرجه ابن مردويه وعنده : قال : " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ، ولم يرد بها العسر " . وفي " المسند " أيضا عن بريدة قال : خرجت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي . فلحقته ، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود ، فقال لي : " أتراه يرائي ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم ! قال : فترك يده من يدي ، ثم جمع بين يديه ، فجعل يصوبهما ويرفعهما ، ويقول : " عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه " . وفي " المسند " أيضا عن عاصم بن هلال ، عن غاضرة بن عروة الفقيمي ، عن أبيه قال : كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج ، فصلى . فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دين الله في يسر " ، قالها ثلاثا . وفي المعنى أحاديث أخر . وقوله صلى الله عليه وسلم : سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا " : التسديد هو إصابة الغرض المقصود ، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمي إليه ولم يخطئه . [1/138] والمقاربة أن يقارب الغرض وإن لم يصبه ، لكن يكون مجتهدا على الإصابة ، فيصيب تارة ويقارب أخرى . أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " . وفي " المسند " و" سنن أبي داود " ، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر يوم الجمعة : " أيها الناس ، إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتكم ، ولكن سددوا وأبشروا " . وقيل : أراد بالتسديد العمل بالسداد وهو القصد والتوسط في العبادة ، فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه . قال النضر بن شميل : السداد القصد في الدين والسبيل ، وكذلك المقاربة المراد بهما التوسط بين التفريط والإفراط ، فهما كلمتان بمعنى واحد . وقيل : بل المراد بالتسديد التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات ، وبالمقاربة الاقتصار على الواجبات . وقيل فيهما غير ذلك . وقوله : " أبشروا " يعني أن من قصد المراد فليبشر . وخرج البخاري في موضع آخر من " صحيحه " من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا " . [1/139] وقوله : " واستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة " يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله ، وهي أول النهار وآخره ، وآخر الليل ؛ فالغدوة أول النهار ، والروحة آخره ، والدلجة سير آخر الليل . وفي " سنن أبي داود " عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا سافرتم فعليكم بالدلجة ؛ فإن الأرض تطوى بالليل " . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان ، وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال . وخرج البخاري هذا الحديث في أواخر كتابه ، وزاد فيه " والقصد القصد تبلغوا " يعني أن من دام على سيره إلى الله في هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ ، ومن لم يقتصد بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ . وقد جاء من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا " إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى " . والمنبت هو المنقطع في سفره قبل وصوله ؛ فلا سفره قطع ، ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك ، بل هو كالمنقطع في المفاوز ، فهو إلى الهلاك أقرب . ولو أنه رفق براحلته ، واقتصد في سيره عليها - لقطعت به سفره ، وبلغ إلى المنزل . [1/140] كما قال الحسن : نفوسكم مطاياكم ؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم عز وجل ، والله أعلم .
|