|
[2/444] 56 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا 438 - حدثنا محمد بن سنان : ثنا هشيم : ثنا سيار - وهو : أبو الحكم - : ثنا يزيد الفقير : ثنا جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي . فذكر الحديث ، وفيه : " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " .
وذكر بقية الحديث . وقد خرجه بتمامه في أول " التيمم " من هذا الوجه ، ومن وجه آخر ، وسبق الكلام عليه هنالك مستوفى . وذكرنا : أن قوله : " جعلت لي الأرض مسجدا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل " قد استدل بعمومه بعض الناس على الصلاة في المقابر والأعطان والحمام وغير ذلك مما اختلف في الصلاة فيه ، وإن من العلماء من منع دلالته على ذلك ، وقال : إنما خرج الكلام لبيان أن هذه الأمة خصت عن الأمم بأنهم يصلون في غير المساجد المبنية للصلاة فيها ، فيصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض ، في مسجد مبني وغير مبني ، فالأرض كلها لهم مسجد ما بني للصلاة فيه وما لم يبن ، وهذا لا يمنع أن ينهى عن الصلاة في أماكن خاصة من الأرض ؛ لمعنى يختص بها غير كونها غير مسجد مبني للصلاة فيه . وقد خرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، [2/445] عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي " - فذكر منها : " وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم " . وهذا يرجع إلى أن العموم إذا سيق لمعنى خاص عم ما سيق له من ذلك المعنى دون غيره مما لم يسق الكلام له ، ومن الناس من يأخذ بعموم اللفظ ، والأظهر الأول . والله أعلم . وليس هذا كتخصيص العموم بسببه الخاص ، فإن الشارع قد يريد بيان حكم عام يدخل فيه السبب وغيره ، بخلاف ما إذا ظهر أنه لم يرد من العموم إلا معنى خاص سيق له الكلام ، فإنه يظهر أن غير ما سيق له غير مراد من عموم كلامه . والله أعلم . وقد زعم بعضهم : أن عموم قوله : " جعلت لي الأرض مسجدا " لا يصح الاستثناء منه ؛ لأنه وقع في " صحيح مسلم " من حديث حذيفة : " جعلت لي الأرض كلها مسجدا " . قال : وتأكيد العموم بـ " كل " ينفي الاستثناء منه ؛ لأن التأكيد ينفي المجاز ، والعام المستثنى منه يصير مجازا . وهذا الذي زعمه غير صحيح ، وقد قالت عائشة : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله ، كان يصومه إلا قليلا " . وهذا يدل على أن التأكيد بـ " كل " لا يمنع من الاستثناء ، ولا من أن يراد به بعض مدلوله عند الإطلاق . وقوله : " إن العام المستثنى منه يصير مجازا " فممنوع ، بل هو حقيقة فيما عدا المستثنى منه عند أصحابنا وغيرهم . [2/446] وأيضا ؛ فالعموم المؤكد بـ " كل " يصح الاستثناء منه بغير خلاف ، فلو قال : نسائي كلهن طوالق إلا فلانة ، فإنه مثل قوله : كل امرأة لي طالق إلا فلانة ، أو كل عبد لي حر إلا فلانا ، والاستثناء صحيح في الكل ، ولو استثنى ذلك بقلبه من غير تلفظ به ففي صحته روايتان عن أحمد ، حكاهما ابن أبي موسى وغيره . وفي القرآن العظيم : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ وحكى عن إبليس أنه قال : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وهذا استثناء من عموم مؤكد ، وما صح الاستثناء منه صح تخصيصه .
|