باب قوله : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا

أي هذا باب في قوله عز وجل : إِنْ تَتُوبَا الخطاب لعائشة وحفصة ، أي إن تتوبا إلى الله من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء وتفسير صَغَتْ يأتي الآن .
صغوت وأصغيت : ملت ، لتصغى لتميل

أشار بهذا إلى أن معنى قوله : قد صغت مالت وعدلت واستوجبتما التوبة ، يقال : صغوت ، أي ملت ، وكذلك أصغيت ذكر مثالين أحدهما ثلاثي والآخر مزيد فيه . قوله : " لتصغى " أشار به إلى قوله عز وجل وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أي لتميل ، وهذا ذكره استطرادا .
وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عون ، تظاهرون : تعاونون

كذا وقع للأكثرين ، واقتصر أبو ذر من سياق الآية على قوله : " ظَهِيرٌ " عون قوله : " وَإِنْ تَظَاهَرَا " ، أي وإن تعاونا على [19/253] أذى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الله هو مولاه ، أي ناصره وحافظه ، فلا تضره المظاهرة منكما ، وجبريل عليه الصلاة والسلام وليه ، وصالح المؤمنين أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، قاله المسيب بن شريك ، وقال سعيد بن جبير : هو عمر رضي الله تعالى عنه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وعن الكلبي هم المؤمنون المخلصون الذين ليسوا بمنافقين ، وعن قتادة : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قوله : " وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ " ، أي بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين ، " ظَهِيرٌ " ، أي أعوان ، ولم يقل : وصالحو المؤمنين ولا ظهرا ؛ لأن لفظهما وإن كان واحدا فهو بمعنى الجمع ، قوله : " تظاهرون " تفسيره تعاونون ، وفي بعض النسخ تظاهرا تعاونا .
وقال مجاهد : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم

أي قال مجاهد في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أوصوا أنفسكم من الإيصاء ، المعنى : أوصوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات ، قوله : " وَأَهْلِيكُمْ " يعني مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم ، هذا هو المعنى الصحيح الذي ذكره المفسرون ، وقال الزمخشري : قوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات ، وأهليكم بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم ، وقرئ : " وأهلوكم " عطفا على واو : " قوا " كأنه قيل : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم ، وذكر الشراح هنا أشياء متعسفة أكثرها خارج عما تقتضيه القواعد ، فمن ذلك ما ذكره ابن التين بلفظ : قوا أهليكم أوفقوا أهليكم ، ونسب القاضي عياض هذه الرواية هكذا للقابسي وابن السكن ، ثم قال ابن التين : صوابه أوقوا قال : ونحو ذلك ذكر النحاس ، ولا أعرف للألف من أو ولا للفاء من قوله " فقوا " وجها ، قلت : كأنه جعل قوله : " أوفقوا " كلمتين إحداهما كلمة " أو " ، والثانية كلمة : " فقوا " ، وأصله بتقديم الفاء على القاف ، ثم ذكر أشياء متكلفة لم يذكرها أحد من المفسرين ، وذلك كله نشأ من جعله أوفقوا كلمتين ، وجعل الفاء مقدمة على القاف وليس كذلك ، فإنه كلمة واحدة والقاف مقدمة على الفاء ، والمعنى : أوقفوا أهليكم عن المعاصي وامنعوهم ، وقال ابن التين : والصواب على هذا حذف الألف لأنه ثلاثي من وقف ، قلت : لمن جعل هذا كلمة أن يقول : لا نسلم أنه من وقف بل من الإيقاف من المزيد لا من الثلاثي .
408 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد قال : سمعت عبيد بن حنين يقول : سمعت ابن عباس يقول : أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمكثت سنة ، فلم أجد له موضعا ، حتى خرجت معه حاجا ، فلما كنا بظهران ذهب عمر لحاجته فقال : أدركني بالوضوء ، فأدركته بالإداوة ، فجعلت أسكب عليه الماء ورأيت موضعا ، فقلت : يا مير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ قال ابن عباس : فما أتممت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة

مطابقته للترجمة ظاهرة لا تخفى على المتأمل ، والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان هو ابن عيينة ، ويحيى بن سعيد هو القطان الأنصاري .
والحديث قد مضى في باب : " تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ " ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : " بظهران " بفتح الظاء المعجمة ، وسكون الهاء ، وبالراء والنون بقعة بين مكة والمدينة غير منصرف ، قوله : " بالوضوء " بفتح الواو ، وهو الماء الذي يتوضأ به . قوله : " بالإداوة " بكسر الهمزة ، وهي المطهرة . قوله : " يا مير المؤمنين " بحذف الألف من أمير للتخفيف .