الحديث الثالث :
442 - ثنا يوسف بن عيسى : ثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ، ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده ؛ كراهية أن تبدو عورته


أبو حازم هذا ، اسمه : سلمان الأشجعي الكوفي ، وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد الحديث الذي قبله اسمه : سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني .
وقد خرجه الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن [2/453] أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته .
وفيه : دليل على إعراء المناكب في الصلاة للضرورة ، إذا لم يجد ما يسترهما ، وأن الصلاة تصح حينئذ . وقد سبق ذكر ذلك .
وفي معنى هذا الحديث : ما رواه زيد بن واقد : حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : كنت من أصحاب الصفة ، وما منا أحد عليه ثوب تام ، قد اتخذ العرق في جلودنا طرقا من الوسخ والغبار .
وخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين ، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري ، وقارئ يقرأ علينا ، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام علينا فسلم - وذكر حديثا .
وخرج الترمذي وابن حبان في " صحيحه " من حديث فضالة بن عبيد ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة ، وهم أصحاب الصفة ، حتى تقول الأعراب : هؤلاء مجانين ، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم ، فقال : " لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة " . قال فضالة : وأنا يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الترمذي : حديث صحيح
.
وخرج ابن حبان في " صحيحه " والحاكم من حديث طلحة بن عمرو ، [2/454] قال : نزلت الصفة فرافقت رجلا ، فكان يجري علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم مد من تمر بين رجلين ، فسلم ذات يوم من الصلاة ، فناداه رجل منا ، فقال : يا رسول الله ، قد أحرق التمر بطوننا - وذكر بقية الحديث - وفي رواية : وتخرقت عنا الخنف .
وفي رواية عن طلحة بن عمرو ، قال : كان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان له بالمدينة عريف نزل عليه ، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة . قال : وكنت ممن نزل الصفة - وذكر بقية الحديث .
وروى البيهقي بإسناده ، عن عثمان بن اليمان ، قال : لما كثر المهاجرون بالمدينة ، ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، وسماهم : أصحاب الصفة ، فكان يجالسهم ويأنس بهم .
والأحاديث في ذكر أهل الصفة كثيرة جدا في ذكر فقرهم وحاجتهم وصبرهم على ذلك ، وليس المقصود من ذلك في هذا الباب إلا نومهم في المسجد ، ولا شك في أن أهل الصفة كانوا ينامون في المسجد ، لم يكن لهم مأوى بالليل والنهار غير الصفة ، وكانت في مؤخر المسجد ينزلها من لا مأوى له من الغرباء الواردين على النبي صلى الله عليه وسلم ممن لا يجد مسكنا .
ويدل على نومهم في المسجد : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث يحيى بن أبي كثير : ثنا أبو سلمة ، عن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري ، قال : كان أبي من أصحاب الصفة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انطلقوا بنا إلى بيت عائشة " ، فانطلقنا ، فقال : " يا عائشة ، أطعمينا " ، [2/455] فجاءت بحشيشة فأكلنا ، ثم قال : " يا عائشة ، أطعمينا " ، فجاءت بحيسة مثل القطاة فأكلنا ، ثم قال : " يا عائشة ، اسقينا " ، فجاءت بعس من لبن ، فشربنا ، ثم قال : " يا عائشة ، اسقينا " فجاءت بقدح صغير فشربنا ، ثم قال : " إن شئتم بتم ، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد " . قال : فبينما أنا مضطجع من السحر على بطني إذا رجل يحركني برجله ، فقال : " إن هذه ضجعة يبغضها الله عز وجل ، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وخرج الترمذي بعضه من رواية محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : إنه وهم ، والصواب : رواية يحيى بن أبي كثير ، وقد اختلف عليه في إسناده
.
وروى ابن سعد عن الواقدي : حدثني واقد بن أبي ياسر التميمي ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، قال : كان أهل الصفة ناسا فقراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا منازل لهم ، فكانوا ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ويظلون فيه ، ما لهم مأوى غيره ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه ، ويتعشى طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاء الله بالغنى . وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم في المسجد ؟ فقالا : كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصفة ينامون فيه ، وهم قوم كان مسكنهم المسجد ؟
واعلم أن النوم في المسجد على قسمين :
[2/456] أحدهما :
أن يكون لحاجة عارضة مثل نوم المعتكف فيه والمريض والمسافر ، ومن تدركه القائلة ونحو ذلك ، فهذا يجوز عند جمهور العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، ورخص في النوم في المسجد : ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، وعطاء وقال : ينام فيه وإن احتلم كذا وكذا مرة .
وقال عمرو بن دينار : كنا نبيت في المسجد على عهد ابن الزبير .
وممن روي عنه أنه كان يقيل في المسجد : عمر وعثمان - رضي الله عنهما .
ونهى مجاهد عن النوم في المسجد .
وقال أيمن بن نابل : رآني سعيد بن جبير نائما في الحجر فأيقظني ، وقال : مثلك ينام هاهنا !
وكرهه الأوزاعي .
وممن كان لا يدع أحدا ينام في المسجد : عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وابن عمر .
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه " من حديث داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عمه ، عن أبي ذر ، قال : أتاني نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم في المسجد ، فضربني برجله ، وقال : " ألا أراك نائما فيه ؟ " . قلت : يا نبي الله ، غلبتني عيني .
وعمُّ أبي حرب : قال الأثرم : ليس بالمعروف .
ورواه شريك ، عن داود ، عن أبي حرب ، عن أبيه ، عن أبي ذر .
والصحيح عن عمه - : قاله الدارقطني
.
[2/457] وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب : حدثتني أسماء ، أن أبا ذر كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد ، فكان هو بيته يضطجع فيه ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ليلة ، فوجد أبا ذر نائما منجدلا في المسجد ، فنكته رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله حتى استوى جالسا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أراك نائما ؟ " قال أبو ذر : يا رسول الله ، فأين أنام ؟ هل لي من بيت غيره ؟ - وذكر الحديث .
وروى ابن لهيعة ، عن عمرو بن الحارث ، عن ابن زياد ، عن سعد بن أبي وقاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على ناس من أصحابه - وهم رقود في المسجد - فقال : " انقلبوا ؛ فإن هذا ليس بمرقد " .
ذكره الأثرم ، وقال : إسناده مجهول منقطع .
قال : وحديث أبي ذر ليس فيه بيان نهي .
قلت : وقد روي حديث سعد : عن ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن سعد .
خرجه الهيثم بن كليب في " مسنده " ، وهو منقطع منكر
.
والقسم الثاني :
أن يتخذ مقيلا ومبيتا على الدوام : فكرهه ابن عباس وقال : - مرة - : إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس .
وهذا القسم - أيضا - على نوعين :
أحدهما : أن يكون لحاجة كالغريب ، ومن لا يجد مسكنا لفقره ، فهذا هو الذي وردت فيه الرخصة لأهل الصفة ، والوفود ، والمرأة السوداء ونحوهم .
وقد قال مالك في الغرباء الذين يأتون : من يريد الصلاة ، فإني أراه واسعا ، [2/458] وأما الحاضر فلا أرى ذلك .
وقال أحمد : إذا كان رجل على سفر وما أشبهه فلا بأس ، وأما أن يتخذه مبيتا أو مقيلا فلا .
وهو قول إسحاق - أيضا .
والثاني : أن يكون ذلك مع القدرة على اتخاذ مسكن ، فرخص فيه طائفة ، وحكي عن الشافعي وغيره ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو اختيار أبي بكر الأثرم .
وقال الثوري : لا بأس بالنوم في المسجد .
وروى حماد بن سلمة في " جامعه " : ثنا ثابت ، قال : قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أراني إلا مكلم الأمير أن ينهى هؤلاء الذين ينامون في المسجد ويحدثون ويجنبون . فقال : لا تفعل ، فإن ابن عمر سئل عنهم ، فقال : هم العاكفون .
وحمل طائفة من العلماء كراهة من كره النوم في المسجد من السلف على أنهم استحبوا لمن وجد مسكنا ألا يقصد المسجد للنوم فيه . وهذا مسلك البيهقي .
واستدل بما خرجه أبو داود من حديث أبي هريرة - مرفوعا - : " من أتى المسجد لشيء فهو حظه " .
وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة الدمشقي ، فيه ضعف
.
ويعضده : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما بنيت المساجد لما بنيت له " . وقوله : " إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن " - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .