سورة عبس

أي هذا في تفسير بعض سورة عبس ، وتسمى سورة السفرة ، وهي مكية ، وهي خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا ، ومائة وثلاث وثلاثون كلمة ، واثنتان وأربعون آية ، وذكر السخاوي أنها نزلت قبل سورة القدر ، وبعد سورة النجم ، وذكر الحاكم مصححا عن عائشة أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا رسول الله أرشدني ، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من عظماء المشركين ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ، ويقبل على الآخرين ، الحديث .
بسم الله الرحمن الرحيم .

لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر .
عبس كلح وأعرض .

تفسير عبس بقوله : كلح هو لأبي عبيدة ، وتفسيره بأعرض لغيره ، ولم يختلف السلف في أن فاعل عبس هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وأغرب الداودي ، فقال : هو الكافر الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى ، قيل : كان هذا أبي بن خلف ، رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، وقيل : أمية بن خلف ، رواه سعيد بن منصور ، وروى ابن مردويه من حديث عائشة أنه كان يخاطب عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وروي من وجه آخر عن عائشة أنه كان في مجلس فيه ناس من وجوه المشركين فيهم أبو جهل وعتبة ، فهذا يجمع الأقوال .
مطهرة لا يمسها إلا المطهرون ، وهم الملائكة ، وهذا مثل قوله : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا جعل الملائكة ، والصحف مطهرة ؛ لأن الصحف يقع عليها التطهير ، فجعل التطهير لمن حملها أيضا .

أشار به إلى قوله تعالى : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ وفسر المطهرة بقوله : لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة ، يعني : لما كانت الصحف تتصف بالتطهير وصف أيضا حاملها ، أي الملائكة ، فقيل : لا يمسها إلا المطهرون ، وهذا كما في المدبرات أمرا ، فإن التدبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل ، يعني : الخيول به ، فقيل : فالمدبرات أمرا ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ لا يقع بزيادة لا ، وفي توجيهه تكلف، قلت : وجهه أن الصحف لا يطلق عليها التطهير الذي هو خلاف التنجيس حقيقة ، وإنما المراد أنها مطهرة عن أن ينالها أيدي الكفار ، وقيل : مطهرة عما ليس بكلام الله ، فهو الوحي الخالص ، والحق المحض . وقوله : " مطهرة في رواية غير أبي ذر ، والنسفي ، وقال غيره : مطهرة ، وهذا يقتضي [19/279] تقدم أحد قبله حتى يصح ، وقال غيره : والظاهر أن في أول تفسير عبس ، وقال مجاهد : عبس كلح ، ثم قال : وقال غيره ، أي غير مجاهد .
وقال مجاهد : الغلب الملتفة ، والأب ما يأكل الأنعام .

أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا وقال : الغلب الملتفة من الالتفاف ، والأب بالتشديد ما يأكل الأنعام ، وهو الكلأ ، والمرعى ، وعن الحسن هو الحشيش وما تأكله الدواب ، ولا يأكله الناس ، وقال الثعلبي : الغلب غلاظ الأشجار واحده أغلب ، ومنه ، قيل للغليظ الرقبة الأغلب ، وعن قتادة الغلب النخل الكرام ، وعن ابن زيد عظام الجذوع ، وهذا لم يثبت إلا للنسفي .
سفرة الملائكة واحدهم سافر سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم .

أشار به إلى قوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أي بأيدي الملائكة . قوله : " واحدهم " ، أي واحد السفرة سافر ، وعن قتادة واحدهم سفير ، وإنما ذكره بواو الجماعة باعتبار الملائكة . قوله : " سفرت " إشارة إلى أن معنى سافر من سفرت بمعنى أصلحت بينهم ، ومنه السفير ، وهو الرسول ، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح ، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم ، وعن ابن عباس ومقاتل سفرة كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون ، ومنه قيل للكتاب سفر وجمعه أسفار ، ويقال للوراق سفر بلغة العبرانية . قوله : " وتأديته " من الأداء ، أي وتبليغه ، ويروى وتأديبه من الأدب لا من الأداء ، قاله الكرماني ، وفيه ما فيه .
تصدى تغافل عنه .

أشار به إلى قوله تعالى : فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وفسره بقوله : تغافل ، وأصله تتغافل ، وكذلك أصل تصدى تتصدى ، فحذفت إحدى التاءين ، وقال الزمخشري : أي تتعرض له بالإقبال عليه ، وهذا هو المناسب المشهور ، وقال صاحب ( التلويح ) في أكثر النسخ تصدى تغافل عنه ، والذي في غيرها تصدى أقبل عليه ، وكأنه الصواب ، وعليه أكثر المفسرين ، ووقع في رواية النسفي ، وقال غيره : تصدى تغافل ، وهذا يقتضي تقدم ذكر أحد قبله حتى يستقيم أن يقال : وقال غيره .
وقال مجاهد : لما يقض لا يقضي أحد ما أمر به .

أي قال مجاهد في قوله تعالى : لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ وتفسيره ظاهر ، وأمر على صيغة المجهول ، ورواه عبد ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ولفظه : لا يقض أحد ما افترض عليه .
وقال ابن عباس : ترهقها تغشاها شدة .

أي قال ابن عباس في قوله تعالى : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ تغشاها شدة ، ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه به ، وقيل : يصيبها ظلمة ، وذلة وكآبة وكسوف وسواد ، وعن ابن زيد الفرق بين الغبرة ، والقترة أن الغبرة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء ، والقترة ما كان أسفل في الأرض .
مسفرة مشرقة .

كذا فسره ابن عباس ، رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عنه .
بأيدي سفرة ، وقال ابن عباس : كتبة أسفارا كتبا .

قد مر الكلام فيه عن قريب ، وهو من وجه مكرر .
تلهى تشاغل .

أشار به إلى قوله تعالى : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أصله تتلهى ، أي تتشاغل حذفت التاء منهما ، وقال الثعلبي : أي تعرض وتتغافل عنه وتتشاغل بغيره .
يقال : واحد الأسفار سفر .

[19/280] سقط هذا لأبي ذر ، والأسفار جاء في قوله تعالى : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ذكره استطرادا ، وهو جمع سفر بكسر السين ، وهو الكتاب ، وقد مر عن قريب .
فأقبره ، يقال : أقبرت الرجل جعلت له قبرا قبرته دفنته .

أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ قوله : " يقال " إلى آخره ظاهر ، وقال الفراء : أي جعلته مقبورا ، ولم يقل قبره ؛ لأن القابر هو الدافن ، وقال أبو عبيدة : فأقبره ، أي جعل له قبرا ، والذي يدفن بيده هو القابر .
431 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا قتادة ، قال : سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الذي يقرأ القرآن ، وهو حافظ له مع السفرة الكرام ، ومثل الذي يقرؤه ، وهو يتعاهده ، وهو عليه شديد فله أجران .

مطابقته لقوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ وسعيد بن هشام بن عامر الأنصاري ، ولأبيه صحبة ، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع ، وآخر معلق في المناقب .
والحديث أخرجه مسلم في التفسير عن محمد بن عبيد ، وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم ، وأخرجه الترمذي في فضائل القرآن عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وغيره ، وفي التفسير عن أبي الأشعث ، وأخرجه ابن ماجه في ثواب القرآن عن هشام بن عمار .
قوله : " مثل الذي " بفتحتين ، أي صفته كما في قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قوله : " وهو حافظ له " ، أي للقرآن ، والواو فيه للحال . قوله : " مع السفرة " ، ويروى مثل السفرة ، وقال ابن التين : كأنه مع السفرة فيما يستحقه من الثواب ، وقال الكرماني : لفظ مثل زائد ، وإلا فلا رابطة بينه وبين السفرة ، لأنهما مبتدأ وخبر ، فيكون التقدير الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام ، أي كائن معهم ، ويجوز أن يكون لفظ مثل بمعنى مثيل بمعنى شبيه ، فيكون التقدير شبيه الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام . قوله : " وهو يتعاهده " ، أي يضبطه ، ويتفقده . قوله : " وهو عليه شديد " ، أي والحال أن التعاهد عليه شديد . قوله : " فله أجران " من حيث التلاوة ، ومن حيث المشقة ، قاله القرطبي ، " فإن قلت " : ما معنى كون الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة، " قلت " : له معنيان أحدهما : أن يكون له منازل ، فيكون فيها رفيقا للملائكة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تعالى ، والآخر : أن يكون المراد أنه عامل بعمل السفرة وسالك مسلكهم .