[2/471] 62 - باب
بنيان المسجد
وقال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريد النخل .
وأمر عمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس .
وقال أنس : يتباهون بها ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا .
وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى

.
أما حديث أبي سعيد فقد خرجه بتمامه في مواضع من " كتابه " في " الصلاة " و" الاعتكاف " وغيرهما .
وفي الحديث : إن السماء مطرت فوكف المسجد ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين .
وهذا يدل على أن سقف المسجد لم يكن يكنُّ الناس من المطر ، ولا يمنع من نزول ماء المطر إليه .
وقد ذكرنا فيما سبق من مراسيل الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طول جداره بسطه وعمده الجذوع وسقفه جريدا . فقيل له : إلا نسقفه ؟ فَقَالَ : " عريشا كعريش موسى ، خشبات وثمام ، الأمر أعجل من ذَلِكَ " .
وقال المروذي في " كتاب الورع " : قرئ على أبي عبد الله - يعني : أحمد - : سفيان ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في [2/472] المسجد : هِدْهُ ، طِدْهُ . قال : " لا ، عريش كعريش موسى " ؟ قال أبو عبد الله : قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكحل المسجد ، فقال : " لا ، عريش كعريش موسى " .
قال أبو عبد الله : إنما هو شيء مثل الكحل يطلى ، أي : فلم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو عبيد : كان سفيان بن عيينة يقول : معنى قوله : " هده " : أصلحه . قال : وتأويله كما قال ، وأصله : أنه يراد به الإصلاح بعد الهدم ، وكل شيء حركته فقد هدته ، فكان المعنى أنه يهدم ثم يستأنف ويصلح .
قال المروذي : وقلت لأبي عبد الله : إن محمد بن أسلم الطوسي لا يجصص مسجده ، ولا بطوس مسجد مجصص إلا قلع جصه ؟ فقال أبو عبد الله : هو من زينة الدنيا .
وروى ابن أبي الدنيا من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره ، فقال : " ابنوه عريشا كعريش موسى " . فقيل للحسن : وما عريش موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريش - يعني السقف .
ومن رواية ليث ، عن طاوس ، قال : لما قدم معاذ اليمن ، قالوا له : لو أمرت بصخر وشجر فينقل فبنيت مسجدا ؟ قال : إني أكره أن أنقله على ظهري يوم القيامة - كأنه يخاف إذا أتقن بناءه بالصخر والخشب .
وروى سفيان ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أمرت بتشييد المساجد " .
قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود .
[2/473] كذا رواه ابن عيينة ، عن الثوري .
ورواه وكيع عن الثوري فجعل أوله مرسلا عن يزيد بن الأصم ، لم يذكر فيه : " ابن عباس " . وكذا رواه ابن مهدي عن سفيان .
وخرج ابن ماجه كلام ابن عباس من وجه آخر - مرفوعا - بإسناد ضعيف
.
وخرج - أيضا - بإسناد ضعيف عن عمر - مرفوعا - : " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم " .
وروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
وروى المروذي في " كتاب الورع " بإسناده عن أبي الدرداء ، قال : إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم ؛ فعليكم الدمار .
وقال المروذي : ذكرت لأبي عبد الله مسجدا قد بني وأنفق عليه مال كثير ، فاسترجع وأنكر ما قلت .
قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فتجصيص المساجد ؟ قال : أشد وأشد . المساجد لا ينبغي أن تزين ، إلا بالصلاة والبر .
وقال سفيان الثوري : يكره النقش والتزويق في المسجد ، وكل ما تزين به المساجد .
[2/474] ويقال : إنما عمارته ذكر الله عز وجل .
وممن كره زخرفة المساجد وتزويقها : عمر بن عبد العزيز ، وكان قد أراد إزالة الزخرفة التي كان الوليد وضعها في مسجد دمشق الجامع فكبر ذلك على من يستحسنه ممن تعجبه زينة الحياة الدنيا ، واحتالوا عليه بأنواع الحيل ، وأوهموه أنه يغيظ الكفار ، حتى كف عن ذلك .
وقد روي عن ابن جريج ، قال : أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك .
ذكره الأزرقي .
ولأصحابنا وأصحاب الشافعي في تحريم تحلية المساجد بالذهب والفضة وجهان ، وكرهه المالكية وبعض الحنفية ، ومنهم من رخص فيه ، وقالوا : إن فعل ذلك من مال الوقف فقد ضمنه من ماله .
وأما ما حكاه البخاري عن عمر وأنس [.............] .
وقد روي عن أنس - مرفوعا - رواه سعيد بن عامر : ثنا صالح بن رستم ، قال : قال أبو قلابة : سمع أنس بن مالك يقول - وقد مروا بمسجد أحدث - فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يأتي على أمتي زمان يتباهون فيه بالمساجد ولا يعمرونها إلا قليلا " - أو قال : " لا يعمرونها إلا قليلا " .
خرجه ابن خزيمة في " صحيحه " .