باب القراءة عن ظهر القلب

أي : هذا باب في بيان القراءة عن ظهر القلب ، أي : بغير نظر في المصحف .
49 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد : أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي ، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست ، فقام رجل من أصحابه فقال : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال له : هل عندك من شيء ، فقال : لا والله يا رسول الله ، قال : اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا ، فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ، ما وجدت شيئا ، فقال : انظر ولو خاتما من حديد ، فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ، ولا خاتما من حديد ، ولكن هذا إزاري ، قال سهل : ما له رداء فلها نصفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك شيء ، فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا ، فأمر به فدعي ، فلما جاء قال : ماذا معك من القرآن ، قال : معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا ، عدها ، قال : أتقرؤهن عن ظهر قلبك ، قال : نعم ، قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن .

مطابقته للترجمة في قوله : " قال : أتقرؤهن عن ظهر قلبك " وهو حديث سهل المذكور في الباب السابق ، وأخرجه هنا ، وهو أتم من ذاك ، قيل : لا مطابقة هنا ؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم : " أتقرؤهن عن ظهر قلبك " إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور التي عدها ، وذلك ليتمكن من تعليمه المرأة ، ولا يدل على أن القراءة عن ظهر القلب أفضل ، وأجاب بعضهم بأن المراد بقوله " باب القراءة عن ظهر القلب " مشروعيتها أو استحبابها ، وهو مطابق لما ترجم به ، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا ، قلت : سبحان الله ، ما أبعد هذا الجواب عن الصواب وأبرده ، والباب مذكور في بيان فضائل القرآن فكيف يقول ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا ، ولم يضع هذه الترجمة إلا لبيان أفضلية القراءة نظرا وإن كان فيه الاستثبات أيضا ، وهو لا ينافي الأفضلية [20/47] أيضا على أنه ورد أحاديث كثيرة في هذا الباب ، فمنها ما رواه زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا " أعطوا أعينكم حظها من العبادة ، قالوا : يا رسول الله ، وما حظها من العبادة ؟ قال : النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه " ومنها ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه قال : " فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة " وإسناده ضعيف ، ومن طريق ابن مسعود موقوفا : " أديموا النظر في المصحف " وإسناده صحيح ، وقال يزيد بن حبيب : " من قرأ القرآن في المصحف خفف عن والديه العذاب وإن كانا كافرين " رواه ابن وضاح .
قوله : " فصعد النظر إليها " بتشديد العين أي : رفع ، قوله : " وصوبه " أي : خفضه ، وقال ابن العربي : يحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب ، ويحتمل أن يكون بعده وهي متلففة ، وأي ذلك فإنه يدخل في باب نظر الرجل المرأة المخطوبة ، قوله : " ثم طأطأ رأسه " أي : خفضه ، قوله : " قال سهل : ما له رداء فلها نصفه " مدرج من كلام سهل ، يريد به أن إزاره يكون بينهما ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما تصنع بإزارك ، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته أي : المرأة إن لبست الإزار ، لم يكن عليك شيء " إنما قال ذلك حين أراد الرجل قطعه ويعطيها نصفه ، قوله : " فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا " أي : مدبرا ذاهبا معرضا ، قوله : " فدعي " على صيغة المجهول ، قوله : " عن ظهر قلبك " أي : من حفظك لا من النظر ، ولفظ الظهر مقحم أو بمعنى الاستظهار ، قوله : " ملكتكها " ويروى " ملكتها " على صيغة المجهول ، قال الدارقطني : هذه الرواية وهم ، والصواب رواية من روى " زوجتكها " وقال النووي : يحتمل أن يكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ، ثم قال له : اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق فليس بوهم .
وفيه جواز الحلف بغير الاستحلاف ، وتزويج المعسر ، وجواز النظر إلى امرأة يريد أن يتزوجها .