باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا

أي : هذا باب في بيان نسيان القرآن بسبب تعاطي أسبابه المقتضية لذلك ، قوله : " وهل يقول " إلى آخره ، صورة الاستفهام [20/51] الإنكاري ؛ لكن ليس الإنكار عن الإتيان بقوله نسيت آية كذا وكذا على ما يجيء الآن ؛ ولكن الإنكار على ارتكاب أسبابه الداعية إلى ذلك .
وقول الله تعالى : سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله

" وقول الله " عطف على قوله : " نسيان القرآن " أي : وفي قول الله عز وجل سَنُقْرِئُكَ من الإقراء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجل بالقراءة إذا لقيه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقيل : لا تعجل ؛ لأن جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه فلا تنساه ، إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لم يذكر بعد النسيان ، وكلمة لا للنفي ، وكان البخاري صار إليه ، وأن الله أقرأه إياه وأخبره أنه لا ينساه ، وقيل : " لا " للنهي ، وزيدت الألف للفاصلة كقولك السبيلا ، يعني فلا تترك قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه يرفع تلاوته للمصلحة ، وقال الفراء : الاستثناء للتبرك ، وليس هناك شيء استثني ، وعن الحسن وقتادة : إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ أي : قضى أن ترفع تلاوته ، وعن ابن عباس : إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتنس ، وقيل : معناه لا تترك العمل به إلا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به ، والله أعلم .
57 - حدثنا ربيع بن يحيى ، حدثنا زائدة ، حدثنا هشام ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال : يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا .

مطابقته للترجمة من حيث إن معناه أنه صلى الله عليه وسلم نسي كذا وكذا آية ثم تذكرها ، وقال ابن التين : وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان ينسى القرآن ثم يتذكره .
وربيع ضد الخريف ابن يحيى أبو الفضل ، مر في باب من أحب العتاق في الكسوف ، وزائدة من الزيادة ابن قدامة بضم القاف وتخفيف الدال ، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه ، عن عائشة .
والحديث من أفراده .
قوله : " رجلا " أي : صوت رجل ، قوله : " أذكرني " إلى آخره ، لم يبين فيه تعيين الآيات المذكورة ولا عددها .
واستنبط بعضهم من هذا مسألة فقهية أنها كانت إحدى وعشرين آية ، وهي أن رجلا لو قال لفلان علي كذا وكذا درهما يلزمه أحد وعشرون درهما ؛ لأنه فصل بين كذا وكذا بحرف العطف ، وأقل ذلك من العدد المفسر أحد وعشرون ، حتى لو قال كذا كذا درهما بغير حرف العطف يلزمه أحد عشر درهما ؛ لأن أقل ذلك من العدد المفسر أحد عشر ؛ لأنه ذكر عددين مبهمين ، وعند الشافعي يلزمه درهم وله صور كثيرة موضعها الفروع .
فإن قلت : كيف جاز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : الإنساء ليس باختياره ، وقال الجمهور : جاز النسيان عليه فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم بشرط أن لا يقرأ عليه بل لا بد أن يذكره ، وأما غيره فلا يجوز قبل التبليغ ، وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث فهو جائز بلا خلاف .