|
[2/520] 70 - باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد 456 - حدثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : أتتها بريرة تسألها في كتابتها ، فقالت : إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي . وقال أهلها : إن شئت أعطيتها ما بقي - وقال سفيان مرة : إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا - فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرته ذلك ، فقال : " ابتاعيها فأعتقيها ؛ فإنما الولاء لمن أعتق " ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - وقال سفيان مرة : فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - فقال : " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله ؟ من اشترط شرطا ليس فِي كِتَاب الله فليس لَهُ ، وإن اشترط مائة مرة " . ورواه مَالِك ، عَن يَحْيَى ، عَن عمرة ، أن بريرة - ولم يذكر : " صعد المنبر " . قال علي : قال يحيى وعبد الوهاب ، عن يحيى عن عمرة - نحوه . وقال جعفر بن عون ، عن يحيى : سمعت عمرة : سمعت عائشة
حاصل ما ذكره من الاختلاف في إسناد هذا الحديث : أن ابن عيينة رواه عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، فوصله كله . ورواه مالك في " الموطأ " ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، أن بريرة أتت عائشة - فذكر الحديث ، ولم يسند متنه عن عائشة ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : " اشتريها وأعتقيها ؛ فإنما الولاء لمن أعتق " ، ولم يذكر صعوده على المنبر . [2/521] وقد رواه بعضهم عن مالك ، فأسنده كله عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، كما رواه سفيان ، وليس بمحفوظ عن مالك . وذكر البخاري ، عن ابن المديني ، أن يحيى - وهو : ابن سعيد - وعبد الوهاب - وهو : الثقفي - روياه عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة - نحوه . والظاهر : أنه أراد أنهما لم يذكرا عائشة في أوله كمالك . وأن جعفر بن عون رواه عن يحيى بن سعيد : سمعت عمرة ، قالت : سمعت عائشة ، فصرحت بسماعها من عائشة الحديث كله ، وهذا يقوي رواية ابن عيينة . لكن خرجه الإمام أحمد ، عن جعفر بن عون ، ولم يذكر فيه السماع . وفي حديث ابن عيينة شك منه في لفظتين : إحداهما : هل قال في الحديث : " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر " ؟ أو قال : " فصعد على المنبر " ؟ وهذا اختلاف قريب ؛ لأن المعنى متقارب ، غير أن رواية : " قام على المنبر " تقتضي أنه خطب بذلك قائما ، وليس في مجرد صعوده ما يقتضي قيامه . والثانية : شك سفيان : هل في الحديث : أن أهل بريرة قالوا لعائشة : " إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا " ؟ أو قالوا : " إن شئت أعطيتها ما بقي " بدل : " أعتقتها " ؟ وقد خرج ابن خزيمة في مصنف له مفرد في الكلام على حديث بريرة : هذا الحديث ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن سفيان ، وقال فيه : إنهم قالوا لعائشة : " إن شئت فأعطي ما بقي ، ويكون لنا الولاء " . وقال : هذه اللفظة : " فأعطي ما بقي " وهم ؛ ثنا بهذا الخبر عبد الله بن [2/522] محمد ، عن الزهري ، عن سفيان ، ولم يذكر هذه اللفظة ، ورواه الثقفي عن يحيى ، وليس فيه هذه اللفظة . قلت : قد تبين برواية البخاري ، عن ابن المديني ، عن سفيان ، أنه كان يتردد في هذه اللفظة ، ولا يجزم بها ، وقد رواه الحميدي وغيره عن سفيان ، ولم يذكروها ، إنما ذكروا : لفظة العتق . ومقصود البخاري بتخريج الحديث في هذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على المنبر في مسجده ، وذكر في خطبته أحكام البيع والشراء ، فدل على جواز مثل ذلك في المسجد . وقد روى مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قصة بريرة - أيضا - وقال في حديثه : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : " ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله " ؟ - الحديث . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وظاهر هذا : يدل على أنه خطب بذلك على المنبر . وذكر البيع والشراء يقع على وجهين : أحدهما : أن يكون ذكرهما على وجه الإفاضة في حديث الدنيا أو في التجارة ، فهذا من مباح الكلام في غير المسجد ، وقد اختلف في كراهة مثله في المسجد ، فكرهه طائفة من العلماء . قال أصحابنا ، منهم ابن بطة وغيره : يكره الحديث فيه ، إلا لمصلحة في الدين . [2/523] قال أحمد في رواية حنبل : لا أرى لرجل إذا دخل المسجد إلا أن يلزم نفسه الذكر والتسبيح ؛ فإن المساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل . وروى حماد بن سلمة في " جامعه " : ثنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عمر بن الخطاب سمع ناسا يذكرون تجاراتهم في المسجد والدنيا ، فقال : إنما بنيت المساجد لذكر الله ، فإذا أردتم أن تذكروا تجاراتكم فاخرجوا إلى البقيع . وقال سعيد بن عبد العزيز : رأى أبو الدرداء رجلا يقول لصاحبه في المسجد : اشتريت وسق حطب بكذا وكذا . فقال أبو الدرداء : إن المساجد لا تعمر لهذا . وقال سفيان : عن رجل ، عن الحسن : يأتي على الناس زمان لا يكون لهم حديث في مساجدهم إلا في أمر دنياهم ، فليس لله فيهم حاجة ، فلا تجالسوهم . وكرهه أبو مسلم الخولاني وغيره من السلف . وروي عن عمر ، أنه بنى البطحاء خارج المسجد ، وقال : من أراد أن يلغط فليخرج إليها . ورخص أصحاب الشافعي في التحدث بأمور الدنيا المباحة في المساجد ، وإن حصل معه ضحك . واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام . قال : وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون ويتبسم . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختم مجالسه بكفارة المجلس ، وأمر أن تختم [2/524] المجالس به ، وأخبر أنه إن كان المجلس لغوا كانت كفارة له ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ، فإذا وقع اللغو في المساجد ثم ختم المجلس بكفارته ، فهو شبيه بالبصاق في المسجد ودفنها بعده ، كما سبق . الثاني : أن يكون ذكر البيع والشراء على وجه الإخبار عن أحكامهما الشرعية ، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز ، فهذا من نوع تعليم العلم ، وهو من أجل القرب وأفضلها مع صلاح النية فيه . فإن اقترن بذلك إرادة الإنكار على من باع بيعا غير سائغ ، أو شرط في بيعه شرطا غير سائغ ، فقد اجتمع فيه حينئذ أمران : تعليم العلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومثل هذا إذا أعلن به على المنابر في المساجد كان أبلغ في إشهاره ونشره وظهوره وارتداع المخالفين له ، وهذا كله من أفضل القرب والطاعات . وحينئذ ؛ ففي دخول هذا الحديث في تبويب البخاري نظر ، فإن كان قد أشار إلى الاستدلال بهذا الحديث على جواز البيع والشراء في المسجد فهو أبعد وأبعد . وأما عقد البيع والشراء في المسجد : فقد ورد النهي عنه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه . وخرج الترمذي والنسائي وابن خزيمة في " صحيحه " والحاكم من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا [2/525] رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك " . وقد روي عن ابن ثوبان - مرسلا ، وهو أصح عند الدارقطني . وحكى الترمذي في " جامعه " قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد . والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم ، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه . وللشافعي قَوْل : إنه لا يكره بالكلية ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء وغيره . واختلف أصحابنا في انعقاد البيع في المسجد على وجهين . وفرق مالك بين اليسير والكثير ، فكره الكثير دون اليسير ، وحكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه .
|