[2/531] 73 - باب
تحريم تجارة الخمر في المسجد
459 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فقرأهن على الناس ، ثم حرم تجارة الخمر


ذكر الخمر بالتحريم - إما لشربه أو للتجارة فيه - : من جملة تبليغ دين الله وشرعه ؛ وذلك لأنه تصان عنه المساجد ؛ فإن الله ذكر في كتابه الذي يتلى في الصلوات في المساجد : الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، كما ذكر : الزنا والربا وسائر المحرمات من الشرك والفواحش ، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتلو ذلك في المسجد في الصلوات وغيرها ، ولم يزل يذكر تحريم ما حرمه الله في المساجد وفي خطبه على المنبر ، وهذا الباب مما لا تدعو الحاجة إليه ؛ لظهوره .
ولكن يشكل في هذا الحديث أمران :
أحدهما : أن تحريم التجارة في الخمر مما شرع من حين نزول تحريم الخمر ، ولم يتأخر إلى نزول آيات الربا ، فإن آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن ، كما روى البخاري في " التفسير " من رواية الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا .
وفي " الصحيحين " عن جابر ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة [2/532] يقول : " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " .
وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا أيها الناس ، إن الله يعرض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرا ، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به " . قال : فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال : " إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع " . قال : فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها .
وهذا نص في تحريم بيعها مع تحريم شربها .
والثاني : أن آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر ، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا ؟
ويجاب عن ذلك : بأن مراد عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ، وإن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر .
وقد روى حجاج بن أرطاة - حديث عائشة - عن الأعمش بإسناد البخاري ، ولفظه : لما نزلت الآيات التي في سورة البقرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والربا .
وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات ، كما قال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ، فما كان بيعا فهو حلال ، وما لم يكن بيعا فهو ربا حرام - أي : هو زيادة على البيع الذي أحله الله .
فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة ، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل ، وربا النساء فيما حرم فيه النسأ ، ومثل أثمان [2/533] الأعيان المحرمة ، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام ، ومثل قبول الهدية على الشفاعة ، ومثل العقود الباطلة ، كبيع الملامسة والمنابذة ، وبيع حبل الحبلة ، وبيع الغرر ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، والمخابرة ، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه .
وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير ، وقد قالوا : القبالات ربا ، وفي النجش أنه ربا ، وفي الصفقتين في الصفقة أنه ربا ، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه ربا .
وروي : أن غبن المسترسل ربا ، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا .
وقال ابن مسعود : الربا ثلاثة وسبعون بابا .
وخرجه ابن ماجه والحاكم عنه مرفوعا .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه ، أن عمر قال : من آخر ما نزل آية الربا ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة .
يشير عمر إلى أن أنواع الربا كثيرة ، وأن من المشتبهات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرمه الله ، فما رابكم منه فدعوه .
وفي " صحيح مسلم " عن عمر ، أنه قال : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا .
وبعض البيوع المنهي عنها نهي عنها سدا لذريعة الربا ، كالمحاقلة ، والمزابنة ، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، وعن بيعتين في [2/534] بيعة ، وعن ربح ما لم يضمن ، وبسط هذا موضعه " البيوع " .
وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب الربا ، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة ، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا ، وعن بيع الخمر ؛ ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه . والله أعلم .