باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك

أي : هذا باب فيه المرأة التي تهب يومها . . . إلى آخره ، فقوله ( المرأة ) مبتدأ ، وقوله ( تهب يومها ) خبره ، وقوله ( من زوجها ) في محل النصب على أنه صفة لقوله " يومها " ؛ أي يومها المختص لها في القسم الكائن من زوجها .
قوله ( لضرتها ) يتعلق بقوله " تهب " .
قوله ( وكيف يقسم ذلك ) ؛ أي المذكور من هبة المرأة يومها لضرتها كيف يقسم ، ولم يبين كيفية ذلك ، وإنما ذكر ذلك على سبيل الاستفهام عن وجه القسمة ؛ أي على أي وجه يقسم وهب المرأة يومها من القسم لضرتها ، بيان ذلك أن تكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة ، فإن كان يوم سودة ثالثا ليوم عائشة أو رابعا أو خامسا استحقته عائشة على حسب القسمة التي كانت لسودة ، ولا يتأخر عن ذلك اليوم ولا يتقدم ، ولا يكون ثانيا ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة .
141 - حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا زهير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة .

مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل عليها ؛ لأن قوله " إن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة " يشمل الشطر الأول من الترجمة ، وقوله " كان يقسم . . . " إلى آخره مشتمل على الشطر الثاني منها وهو قوله " وكيف يقسم ذلك " ، مع أنه يوضح معنى ذلك وهو أنه يقسم لعائشة الموهوب لها يومها المختص لها ويوم سودة الواهبة يومها لها على الوجه الذي ذكرناه الآن .
ومالك بن إسماعيل هو أبو غسان النهدي - بالنون المفتوحة وسكون الهاء ، وزهير - مصغر زهر - بن معاوية الجعفي الكوفي سكن الجزيرة ، يروي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
والحديث أخرجه مسلم في النكاح أيضا عن عمرو الناقد عن الأسود بن عامر عن زهير به .
قوله ( أن سودة بنت زمعة ) بسكون الميم وفتحها ، ابن قيس القرشية العامرية ، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد موت خديحة رضي الله تعالى عنها ودخل عليها بها ، وكان دخولها بها قبل دخوله على عائشة رضي الله تعالى عنها بالاتفاق ، وهاجرت معه ، وتوفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .
قوله ( وهبت يومها لعائشة ) ، وقد تقدم في الهبة من طريق الزهري عن عروة بلفظ " يومها وليلتها " ، وزاد في آخره : تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ووقع في رواية مسلم من طريق عقبة بن خالد عن هشام : لما أن كبرت سودة رضي الله تعالى عنها جعلت يومها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة . وروى أبو داود عن أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم . . . الحديث ، وفيه : ولقد قالت سودة بنت زمعه حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، يومي لعائشة ! فقبل ذلك منها ، وفيها وفي أشباهها نزلت : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا الآية ، وتابعه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد في وصله ، وعند الترمذي من حديث ابن عباس موصولا نحوه ، وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلقها فقعدت له على طريقه فقالت : والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة ، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة ، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي ؟ قال : لا . قالت : فأنشدك لما راجعتني ! فراجعها ، قالت : فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
قوله ( وكان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة ) ؛ يعني على الوجه الذي ذكرناه ، وفي رواية جرير عن هشام عند مسلم : فكان يقسم لعائشة يومين ؛ يومها ويوم سودة ، انتهى .
وكان - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقسم لكل واحدة من نسائه يوما وليلة كما تظاهرت عليه الأحاديث ، ففي بعضها يوم والمراد بليلته ، وفي بعضها ليلة والمراد مع اليوم ، وفي بعضها يوم وليلة ، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يزاد في [20/199] القسم على يوم وليلة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قال مالك وأبو ثور وأبو إسحاق المروزي من الشافعية ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : وحمل الشافعي ذلك على الأولوية والاستحباب ، ونص على جواز القسم ليلتين ليلتين وثلاثا وثلاثا ، وقال في المختصر : وأكره مجاوزة الثلاث . فحمله الأكثرون على المنع ، ونقل عن نصه في الإملاء أنه كان يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة ، قال الرافعي : فحملوه على ما إذا رضين ولم يجعلوه قولا آخر . وحكَى عن صاحب التقريب أنه يجوز أن يقسم سبعا سبعا ، وعن الشيخ أبي محمد الجويني وغيره أنه تجوز الزيادة ما لم تبلغ التربص بمدة الإيلاء ، وقال إمام الحرمين : لا يجوز أن يبني القسم على خمس سنين مثلا . وحكى الغزالي في البسيط وجها أنه لا تقدير بزمان ولا توقيت أصلا ، فإنما التقدير إلى الزوج ، انتهى كلامه .
قلت : وقال ابن المنذر : ولا أرى مجاوزة يوم إذ لا حجة مع من تخطى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غيرها ، ألا ترى قوله في الحديث " أن سودة وهبت يومها لعائشة " ، ولم يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة ، ولو جاز ثلاثة لجاز خمسة وشهرا ، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له ، فلا يجوز معارضته السنة .
وفيه مشروعية القسم بين النساء وهو متفق على استحبابه ، فأما وجوبه فادعى صاحب المفهم الاتفاق على وجوبه ، فقال شيخنا : وفي دعوى الاتفاق نظر . فقال النووي في شرح مسلم : مذهبنا أنه لا يلزم أن يقسم لنسائه ، بل له إحسانهن كلهن ، لكن يكره تعطيلهن . قال الرافعي : وعن القاضي أبي حامد حكاية أنه يجب القسم بينهن ولا يجوز له الإعراض .