[2/560]
82 - باب
دخول المشرك المسجد
469 - حدثنا قتيبة : ثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، أنه سمع أبا هريرة يقول : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد


قد سبق هذا الحديث بأتم من هذا السياق في " باب : الأسير يربط في المسجد " ، وفيه : أن ثمامة حين ربط كان مشركا ، وأنه إنما أسلم بعد إطلاقه .
وفي هذا : دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد ، لكن بإذن المسلمين .
وقد أنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد ؛ ليكون أرق لقلوبهم .
خرجه أبو داود من رواية الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص .
وروى وكيع ، عن سفيان ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : إن وفدا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من ثقيف ، فدخلوا عليه المسجد ، فقيل له : إنهم مشركون ؟ قال : " الأرض لا ينجسها شيء " .
وخرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية أشعث ، عن الحسن ، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في مؤخر المسجد ؛ لينظروا إلى [2/561] صلاة المسلمين ، إلى ركوعهم وسجودهم ، فقيل : يا رسول الله ، أتنزلهم المسجد وهم مشركون ؟ قال : " إن الأرض لا تنجس ، إنما ينجس ابن آدم " .
وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران ، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجلسون فيه عنده .
ولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد .
وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له .
وقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الأسارى - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور . قال : وكان ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي .
وخرج البخاري فيما سبق في " كتاب : العلم " حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد ، وعقله بعيره فيه ، وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ، ثم أسلم عقب ذلك .
وروى أبو داود في " المراسيل " بإسناده ، عن الزهري ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر ، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام ؛ لما قَالَ الله عز وجل : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
وقد اختلف أهل العلم في ذلك :
فرخص طائفة منهم في دخول الكافر المسجد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، رجحها طائفة من أصحابنا .
[2/562] قال أصحاب الشافعي : وليس له أن يدخل المسجد إلا بإذن المسلم . ووافقهم طائفة من أصحابنا على ذلك .
وقال بعضهم : لا يجوز للمسلم أن يأذن فيه إلا لمصلحة من سماع قرآن ، أو رجاء إسلام ، أو إصلاح شيء ونحو ذلك ، فأما لمجرد الأكل واللبث والاستراحة فلا .
ومن أصحابنا : من أطلق الجواز ، ولم يقيده بإذن المسلم .
وهذا كله في مساجد الحل ، فأما المسجد الحرام فلا يجوز للمسلمين الإذن في دخوله للكافر ، بل لا يمكن الكافر من دخول الحرم بالكلية عند الشافعي وأحمد وأصحابهما .
واستدلوا بقول الله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر مناديا ينادي : " لا يحج بعد العام مشرك " .
وأجازه أبو حنيفة وأصحابه .
فأما مسجد المدينة ، فالمشهور عندنا وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل .
ولأصحابنا وجه : أنه ملحق بالمسجد الحرام ؛ لأن المدينة حرم ، وحكي عن ابن حامد ، وقاله القاضي أبو يعلى في بعض كتبه .
وهذا بعيد ؛ فإن الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه ، فكيف يمنع منه ويخص الجواز بغيره ؟
وقالت طائفة : لا يجوز تمكين الكافر من دخول المساجد بحال ، وهذا هو [2/563] المروي عن الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، وأبو موسى الأشعري ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك ، والمنصوص عن أحمد ، قال : لا يدخلون المسجد ولا ينبغي لهم أن يدخلوهم .
واستدلوا بقول الله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ
وظاهره : يدل على أن الكفار لا يمكنون من دخول المساجد ، فإن دخلوا أخيفوا وعوقبوا ، فيكونون في حال دخولهم خائفين من عقوبة المسلمين لهم .
وقد روي عن علي ، أنه كان على المنبر فبصر بمجوسي ، فنزل وضربه وأخرجه .
خرجه الأثرم .
وعلى هذا القول ، فأحاديث الرخصة قد تحمل على أن ذلك قبل النهي عنه ، أو أن ذلك كان جائزا حيث كان يحتاج إلى تألف قلوبهم ، وقد زال ذلك .
وفرقت طائفة بَيْن أهل الذمة وأهل الحرب ، فقالوا : يجوز إدخال أهل الذمة دون أهل الحرب ، وروي عن جابر بن عبد الله وقتادة .
وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا قال : إلا أن يكون عبدا أو أحدًا من أهل الذمة .
وقد روي مرفوعا من رواية شريك : ثنا أشعث بن سوار ، عن الحسن ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا ، غير أهل الكتاب وخدمهم " .
[2/564] خرجه الإمام أحمد .
وفي رواية له : " غير أهل العهد وخدمهم " .
وأشعث بن سوار ، ضعيف الحديث
.
وقد خص بعض أصحابنا حكاية الخلاف المحكي عن أحمد في المسألة بأهل الذمة .