باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف

أي : هذا باب في بيان ذب الرجل - بالذال المعجمة ؛ أي دفعه - على ابنته الغيرة وفي بيان الإنصاف لها .
والإنصاف من أنصف إذا عدل ، يقال أنصفه من نفسه وانتصفت أنا منه ، وتناصفوا أي أنصف بعضهم بعضا من نفسه .
159 - حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإنما هي بضعة مني ؛ يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها .

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإخبار عن ذب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها في الغيرة والإنصاف لها .
وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة ، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير . والمسور - بكسر الميم وسكون السين المهملة - ابن مخرمة - بفتح الميمين وسكون الخاء [20/212] المعجمة - ابن نوفل الزهري .
والحديث مضى في مناقب فاطمة رضي الله عنها ، وسيجيء في الطلاق أيضا .
وأخرجه بقية الجماعة أيضا ، وهنا كذا رواه الليث وتابعه عمرو بن دينار وغير واحد ، وخالفهم أيوب فقال : عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير - أخرجه الترمذي وقال حسن وذكر الاختلاف فيه ، ثم قال : يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة حمله عنهما .
قوله ( وهو على المنبر ) الواو فيه للحال .
قوله ( إن بني هشام ) وقع في رواية مسلم " هاشم بن المغيرة " ، والصواب " هشام " ؛ لأنه جد المخطوبة ، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة ، وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما ، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام جد المخطوبة وقد أسلم أيضا وحسن إسلامه .
قوله ( استأذنوا ) ، في رواية الكشميهني " استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب " ، وجاء أن عليا رضي الله عنه استأذن بنفسه على ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة قال : خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام ، فاستشار النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : أعن حسبها تسألني ؟ فقال : لا ، ولكن أتأمرني بها ؟ قال : لا ، فاطمة بضعة مني ، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع . فقال علي رضي الله تعالى عنه : لا آتي شيئا تكرهه .
واسم المخطوبة جويرة أو العوراء أو جميلة .
قوله ( لا آذن ) ذكر ذلك ثلاث مرات تأكيدا .
قوله ( إلا أن يريد ابن أبي طالب ) هو علي رضي الله تعالى عنه ، فكأنه كره ذلك من علي ، فلذلك لم يقل علي بن أبي طالب ، وفي رواية الزهري أيضا : وإني لست أحرم حلالا ولا أحلل حراما ، ولكن - والله - لا تجتمع بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنت عدو الله أبدا . وفي رواية مسلم : مكانا واحدا أبدا . وفي رواية شعيب : عند رجل واحد .
قوله ( بضعة ) بفتح الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة ؛ أي قطعة . ووقع في رواية سويد بن غفلة " مضغة " بضم الميم وبالغين المعجمة .
قوله ( يريبني ما أرابها ) بضم الياء ، من أراب يريب . ووقع في رواية مسلم " يرئبني " من رأب ثلاثي ، يقال أرأبني فلان إذا رأى مني ما يكرهه ، وهذا لغة هذيل - أعني بزيادة الألف في أول ماضيه ، وزاد في رواية الزهري " وأنا أتخوف أن يفتن في دينها " ؛ يعني أنها لا تصبر على الغيرة فيقع منها في حق زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدين . وفي رواية شعيب " وأنا أكره أن يسوءها " ؛ أي تزويج غيرها عليها .
قوله ( ويؤذيني ما آذاها ) ، وفي رواية أبي حنظلة " فمن آذاها فقد آذاني " ، وفي حديث عبد الله بن الزبير " يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها " من النصب - بنون وصاد مهملة وباء موحدة - وهو التعب والمشقة .
وفيه تحريم أدنى أذى من يتأذى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأذيه ، وفيه بقاء العار الحاصل للآباء في أعقابهم لقوله " بنت عدو الله " ، وفيه إكرام من ينتسب إلى الخير أو الشرف أو الديانة .