[2/565]
83 - باب
رفع الصوت في المسجد
خرج فيه حديثين :
الحديث الأول : موقوف :
470 - ثنا علي ابن المديني : ثنا يحيى بن سعيد القطان : ثنا الجعيد بن عبد الرحمن : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد ، قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين . قال : فجئته بهما ، فقال : من أنتما - ومن أين أنتما ؟ - قالا : من أهل الطائف . قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم !


إنما فرق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا ؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، بخلاف من لم يكن من أهلها ؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد ، فعفى عنه بجهله .
ولعل البخاري يرى هذا القبيل من المسند - أعني : إذا أخبر الصحابي عن شهرة أمر وتقريره ، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك يكون كرفعه .
ويشبه هذا : ما قال الفقهاء : أن من ارتكب حدا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام ، وادعى الجهل بتحريمه ، فإنه لا يقام عليه ويعذر بذلك ، بخلاف من نشأ ببلاد الإسلام .
وفيه : أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز ، وقد كان ابن عمر إذا [2/566] رأى من يصلي ولا يرفع يديه حصبه بالحصى . وكذلك إذا رأى من يتكلم والإمام يخطب .
وفي هذه الرواية : " كنت قائما في المسجد " ، كذا هو في كثير من نسخ " صحيح البخاري " ، وقد خرجه البيهقي في " سننه " ، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة ، عن علي ابن المديني ، وفيه : " كنت نائما " بالنون .
وقد خرجه الإسماعيلي في " مسند عمر " من طرق ، وعنده : أنه قال : " كنت مضطجعا " وهذه صريحة في النوم ، ولم ينكر عليه عمر نومه في المسجد .
وخرجه الإسماعيلي - أيضا - من رواية حاتم - هو : ابن إسماعيل - عن الجعيد ، عن السائب - لم يذكر بينهما : " يزيد بن خصيفة " .
وأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطان وفي قوله نظر .
والجعيد - ويقال : الجعد - بن عبد الرحمن بن أوس ، وينسب تارة إلى جده . وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث تسميه : " الجعد " ، وفي بعضها تسميته : " الجعد بن أوس " ، وهو رجل واحد ، فلا يتوهمن غير ذلك .
وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر :
خرجه الإسماعيلي في " مسند عمر " من طريق عبدة ، عن عبيد الله بن عمر ، [2/567] عن نافع ، أن رجلا من ثقيف أخبره ، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : أنا رجل من أهل الطائف ، فقال : أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك ، إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت .
وقد روي في حديث واثلة المرفوع : " جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم " .
خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا .

وروي عن ابن مسعود ، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد . وقد سبق .
ورفع الأصوات في المسجد على وجهين :
أحدهما : أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعلمه ، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه ، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فهذا كله حسن مأمور به .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش ، يقول : " صبحكم ومساكم " ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد ، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد .
وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين ، تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حاضر يسمع ذلك ، فيلزم التأدب معه ، كما لو كان حيا .
[2/568] وما لا حاجة إلى الجهر فيه ، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته ، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي ، فإنه منهي عنه .
وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة ، فقال : " كلكم يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن .
وفي رواية : " فلا يؤذ بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة " .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد .
وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء ، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل " كتاب : العلم " في " باب : رفع الصوت بالعلم " .
الوجه الثاني : رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا ، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة .
ويشبهه : إنشاد الضالة في المسجد ، وفي صحيح مسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كراهته والزجر عنه ، من رواية أبي هريرة وبريدة .
وأشد منه كراهة : رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين ؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم ، والجدال بالباطل ، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه .
وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره .
ورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في [2/569] المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه .
وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد . وقد سبق ذكره .