باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائه

أي : هذا باب في بيان قول الرجل لأطوفن - أي لأدورن - على نسائي في هذه الليلة بالجماع .
وهذه الترجمة إنما وضعها في قول سليمان عليه الصلاة والسلام " لأطوفن الليلة بمائة امرأة " على ما يجيء الآن ، وقال بعضهم : تقدم في كتاب الطهارة باب من دار على نسائه في غسل واحد وهو قريب من معنى هذه الترجمة ، والحكم في الشريعة المحمدية أن ذلك لا يجوز في الزوجات ، قلت : هذا الكلام هنا طائح ؛ لأنه لم يقصد من الترجمة هذا ، وإنما قصد بذلك بيان قول سليمان عليه السلام ، فلذلك أورد حديثه . وقال صاحب التلويح : لا يجوز أن يجمع الرجل جماع زوجاته في غسل واحد ، ولا يطوف عليهن في ليلة إلا إذا ابتدأ القسم بينهن أو أذن له في ذلك ، أو إذا قدم من سفر ، ولعله لم يكن في شريعة سليمان بن داود عليهما السلام من فرض القسم بين النساء والعدل بينهن ما أخذه الله عز وجل على هذه الأمة .
171 - حدثني محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال سليمان بن داود عليهما السلام : لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله . فقال له الملك : قل إن شاء الله ! فلم يقل ونسي ، فأطاف بهن ، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان . قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته .

[20/220] مطابقته للترجمة ظاهرة .
ومحمود هو ابن غيلان ، ومعمر - بفتح الميمين - هو ابن راشد ، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه طاوس .
والحديث مضى في كتاب الجهاد في باب من طلب الولد للجهاد ، وأخرجه مسلم في الأيمان والنذور عن عبد بن حميد ، وأخرجه النسائي فيه عن عباس العنبري .
قوله ( لأطوفن الليلة بمائة امرأة ) ، وفي كتاب الجهاد " لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين " ، وقال ابن التين : وفي بعض الروايات " لأطوفن على سبعين " ، وفي بعضها " بألف " . قلت : ذكر أهل التاريخ أنه كانت له ألف امرأة ؛ ثلاثمائة حرائر وسبعمائة إماء ، والله أعلم .
وقال الكرماني : قال البخاري : الأصح تسعون ، ولا منافاة بين الروايات إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد .
قوله ( فقال له الملك ) ؛ أي جبرائيل عليه السلام ، أو الملك من الكرام الكاتبين . قلت : يجوز أن يكون ملكا غيرهما أرسله الله .
قوله ( فأطاف بهن ) ؛ أي ألم بهن وقاربهن .
قوله ( إلا امرأة نصف إنسان ) ، وهناك " جاءت بشق رجل ، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " ومضى الكلام فيه هناك .
قوله ( لم يحنث ) ؛ أي لم يتخلف مراده ، لأن الحنث لا يكون إلا عن يمين ، ويحتمل أن يكون سليمان حلف على ذلك ، وقيل : ينزل التأكيد المستفاد من قوله " لأطوفن " بمنزلة اليمين فليتأمل . وقال المهلب : " لم يحنث " لم يخب ولا عوقب بالحرمان حين لم يستثن مشيئة الله ولم يجعل الأمر له ، وليس في الحديث يمين فيحنث فيها ، وإنما أراد أنه لما جعل لنفسه القوة والفعل عاقبه الله تعالى بالحرمان فكان الحنث بمعنى التخييب .
وقد احتج بعض الفقهاء به على أن الاستثناء بعد السكوت عن النهي جائز بخلاف قول مالك ، واحتجوا بقوله " لو قال إن شاء الله لم يحنث " وليس كما توهموه ؛ لأن هذا لم يمكن يمينا وإنما كان قولا جعل الأمر لنفسه ، ولم يجب فيه كفارة فتسقط عنه بالاستثناء .